حرف عطف أرق منامي
تعلمت من القراءة المتئنيه في القران الحكيم ، أن تكرر النظر و إمعانه في أختبار حرف - و ليس كلمة- تحمل معاني كثيرة ، وكان هذا الحرف هو حرف العطف (ثم )الذي ورد في سورة التين في القران الكريم في الايتين ، حين قال الله سبحانه و تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، و حاولت أستبداله بحرف من حروف العطف الاخري و لكن تأكدت أنه لا محالة الا هذا الحرف ذو الشأن العجيب في هذا الموضع الذي أدرج فيه .
و تأكدت لديه حقيقة عظيمة ألا و هى ،ليس في القرآن حرف زائد، ولا عطفٌ جاء لملء فراغ لغوي، فالحرف فيه موقف، والإيقاع معنى، والترتيب حكم. وأحيانًا لا يفصل بين رفعة الإنسان وسقوطه إلا حرف صغير، يمر عليه القارئ سريعًا، بينما يحمل في طيّاته قصة العمر كله.وحين يقول القرآن:﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾،فإنه لا ينتقل من جملة إلى جملة، بل يعطف مصيرًا على مصير، ويصل بداية مشرقة بنهاية محتملة، عبر حرف واحد اسمه «ثم».ليس هذا الحرف زينةً لغوية، بل مهلة إلهية، ومسافة زمنية، ومسار أخلاقي،به نفهم أن السقوط لا يقع فجأة،وأن الردّ لا يكون إلا بعد خروج،وأن الإنسان لا يُدان لخلقه… بل لمساره.ومن هذا الحرف الصغير، تبدأ حكاية كبيرة.
أولًا: «ثم» ليست مجرد حرف
في العربية، «ثم» ليست أداة ربط محايدة، بل تحمل ثلاث دلالات متراكبة: الترتيب،التراخي الزمني، التفاوت الرتبي بين ما قبلها وما بعدها، أي أنها تشير إلى انتقال غير فوري، وغير متعجل، وغير متساوٍ في القيمة.ولو قال القرآن:فرددناه لأفاد سرعة وحتمية،ورددناه لجمع بلا ترتيب ولا معنى سببي. لكن «ثم» اختيرت بعناية، لأن المقصود ليس مجرد الإخبار عن النتيجة، بل شرح المسار.
ثانيًا: السقوط ليس قدرًا… بل مسارًا
الآية لا تقول إن الإنسان خُلق ثم هبط مباشرة، بل تقول:خُلق في أحسن تقويم،ثم – بعد زمن، وتجربة، واختيار – رُدّ إلى أسفل سافلين، وهنا يبرز المعنى الخطير: الانحطاط الإنساني لا يحدث فجأة، بل بالتدرج.فكرة تُهمَل،قيمة تُساوَم،ذنب يُبرَّر،ضمير يُسكَت، حتى يصبح السقوط واقعًا لا صدمة.«ثم» هنا تحاكم الإنسان على تاريخه لا على لحظة واحدة.
ثالثًا: عدل الله في حرف
لو كان السقوط فوريًا، لانتفى العدل.ولو كان ملازمًا للخلق، لانتفى التكريم.لكن «ثم» تعني:إمهال قبل مؤاخذة،بيان قبل جزاء،فرصة قبل ردّ،ولهذا جاء بعدها الاستثناء:﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾،فالآية لا تُدين الإنسان لكونه إنسانًا،بل تُحاسبه إن خان ما خُلق له.
رابعًا: «رَدَدْنَاهُ»… لا «جعلناه»
لم يقل القرآن: جعلناه أسفل سافلين، بل قال: رددناه،والردّ لا يكون إلا:من علوإلى سفل،بعد خروج عن المسارـوكأن المعنى: لم يكن هذا موقعه الطبيعي،لكنه أُعيد إليه بعد أن تخلّى عن موقعه اللائق.فـ«ثم» + «رددناه» = مسؤولية كاملة بلا ظلم.
خامسًا: رؤية قرآنية للانحراف الإنساني
سورة التين ترسم معادلة دقيقة: الإنسان مهيأ لأقصى الكمال،ومؤهل – باختياره – لأقصى الانحدار،والفارق بينهما: الزمن + القرار،وهذا ينسف وهمين خطيرين:وهم أن الإنسان شر بطبعه،ووهم أن السقوط خطأ عابر،بل هو مسار يُبنى خطوة خطوة.
زبدة القول: حين ينطق الحرف بالحقيقة،اختيار «ثم» في سورة التين ليس لمجرد البلاغة،بل ليقول لنا بوضوح:السقوط لا يبدأ من القاع،والانحراف لا يحدث فجأة،والعقوبة لا تأتي بلا إنذار،ومن لم ينتبه إلى خطواته، قد يستيقظ يومًا… وقد رُدَّ إلى أسفل سافلين.و لهذا قال الله تعالى في محكمة أياته (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق