تقلب المزاج الإنساني
سنّة نفسية… وآية توحيدية
ليس تقلب المزاج عند الإنسان عارضًا نفسيًا طارئًا، ولا خللًا يجب إنكاره، بل هو ظاهرة إنسانية مركبة، تحمل في عمقها دلالة نفسية، وحكمة تربوية، وآية عقدية تؤكد وحدانية الله ونفي الكمال عن غيره.
فالإنسان يتقلب… والله وحده الثابت.
أولًا: ماهية تقلب المزاج
تقلب المزاج هو انتقال النفس بين حالات شعورية متباينة من ضيقٍ وانشراح، وطمأنينةٍ واضطراب، وفرحٍ وحزن، دون أن يكون ذلك بالضرورة مرضًا أو خللًا عقليًا.وهو: غير ثابت، غير منتظم على حال واحدة، ومتأثر بعوامل داخلية وخارجية.وهذا التقلب ليس استثناءً، بل الأصل في الطبيعة البشرية.
ثانيًا: أسباب تقلب المزاج
تقلب المزاج ناتج عن تداخل أربعة أنساق:
1. النسق الجسدي: تغير الهرمونات. قلة النوم أو الجوع.الإرهاق والمرض.
2. النسق النفسي: تراكم المشاعر. الصدمات الصغرى المتكررة. الحساسية الوجدانية.
3. النسق العقلي: التفكير الزائد. تضخم التوقعات.الصراع الداخلي بين الواقع والمأمول.
4. النسق الروحي: الفتور والغفلة.ضعف الصلة بالله.تقلب أحوال القلب بين القبض والبسط.وهذا التداخل يكشف أن الإنسان ليس كيانًا مستقلًا، بل كائنًا مُدارًا.
ثالثًا: تقلب المزاج سنّة أودعها الله في النفس
لم يُخلق الإنسان ثابت الحال؛ لأن الثبات كمال، والكمال صفة إلهية لا بشرية.قال النبي ﷺ:«ساعة وساعة»،وقال تعالى:﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، فالضعف هنا ليس نقصًا مذمومًا، بل وصفًا وجوديًا يحدد موقع الإنسان في سلم الخلق: عبدٌ لا رب.
رابعًا: تقلب المزاج كدليل على وحدانية الله
1. التقلب ينفي الألوهية عن الإنسان،لو كان الإنسان إلهًا:لما تغيّر دون إرادته،ولما تأثر بعوامل لا يملك دفعها،ولما كان مزاجه رهين نومه أو جوعه أو فكرته.المتقلب لا يكون إلهًا، بل مخلوقًا.
2. التقلب دليل الاحتياج،كل تغير يفتقر إلى: سبب،أو مؤثر،أو مُغيّر.والاحتياج ينفي الألوهية.قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾
3. ثبات الله يقابل تقلب الإنسان،الإنسان: يتغير.الله: لَا يَتَغَيَّرُ.الإنسان: يضطرب.الله: ﴿الْقَيُّومُ﴾.فلو وُجد أكثر من إله، لتصارعت التدابير، وفسدت النفوس قبل الأكوان.﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾
4. انتظام التقلب يدل على مُنظِّم واحد ،تقلب المزاج ليس فوضويًا: يشتد بالجوع،يهدأ بالنوم،يلين بالذكر،يضطرب بالغفلة.هذا نظام محكم، والنظام لا يدل إلا على إله واحد.
خامسًا: الحكمة التوحيدية من تقلب المزاج
كسر وهم الاكتفاء الذاتي.ردّ الإنسان إلى باب الدعاء.تعليمه التواضع والرحمة بالغير.التفريق بين السكينة واللذة.تربية القلب على العبودية لا الادعاء. التقلب وظيفة تربوية تعيد الإنسان إلى الله كلما نسي.
سادسًا: الموقف الصحيح من تقلب المزاج
ليس المطلوب:إنكار التقلب،ولا الاستسلام له، بل: فهمه،واحتواؤه،وعدم اتخاذ قرارات مصيرية أثناءه،وربطه بالذكر والمعنى لا بالهروب.﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾،ولم يقل: تثبت… بل تطمئن.
خلاصة جامعة،تقلب المزاج: سنّة نفسية،وآية عقدية،ورسالة توحيدية صامتة.يقول للإنسان:
أنت متغير… فربك ثابت
أنت محتاج… فإلهك غني
أنت ضعيف… فالله قيّوم
ومن عرف نفسه متقلبة، عرف ربّه واحدًا.فلا تخف من تقلبك، ولا تَخْجَل من ضعفك، ولا تُخاصم إنسانيتك. تقلب مزاجك ليس عيبًا في خَلْقك، بل آية في فطرتك، ورسالة رقيقة تقول لك في كل مرة: لستَ وحدك، ولستَ إلهًا، ولستَ مطالبًا بالكمال.كل انكسارٍ في داخلك باب،وكل ضيقٍ نداء، وكل تقلبٍ تذكير بأن لك ربًا ثابتًا حين تتغير، قيّومًا حين تضعف، رحيمًا حين تضطرب.فإذا ضاق صدرك، فلا تبحث عن الهروب… بل عن المعنى.وإذا اضطرب قلبك، فلا تُسكت الصوت… بل اسأل: إلى أين يُراد لي أن أرجع؟،وإذا تبدلت حالك، فتذكر: الذي لا يتبدل هو الله.عِش إنسانًا، لا إلهًا صغيرًا.وكن عبدًا مطمئنًا، لا كائنًا متوترًا يطلب المستحيل من نفسه.فمن عرف تقلبه، استراح من ادعاء الثبات،ومن استراح، وصل…ومن وصل، اطمأن. و الآن نفهم قوله تعالى ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق