منهج الموازنة بين الأدلة في القضاء و القران الكريم و معيار الموازنة
مقدمة - هناك سؤال كثيرا ما يتردد بداخلي، هذا السؤال، ما المعيار الذي يتخذه القاضي عندما يحكم في ترجيح كفة المدعى على كفة المدعى عليه أو بالعكس و ذلك عندما يخلد إلى نفسه ليصدر حكم في القضية التي بين يديه، هل يصدر الحكم بناء على شعوره الداخلي أم أن الأمر مرجعه معيار موضوعي بناء عليه و على أساس منه يصدر حكمه؟ ، دفعني إلى البحث عن حقيقة القول الفصل في هذا الأمر، ألا و هو معيار الموازنة بين الأدلة و هو الوجه الأخر من مبدأ تسبيب الأحكام القضائية.
ستناول فيمَا يلي وضع الإطار العام و تفاصيل الموضوع بإيجاز يناسب موضوع المقال دون أخلال بالتفاصيل المهمة، و ذلك بعد تعريف المقصود بمنهج الموازنة بين الأدلة . مقارنة بين المنهج في القضاء و بين المنهج في القران الكريم و معياره في كلا المنهجين.
أولًا: تعريف منهج الموازنة بين الأدلة:
منهج الموازنة بين الأدلة هو العملية العقلية والمنهجية التي يقوم بها القاضي عند وجود تعارض أو تزاحم بين أدلة متعددة في قضية واحدة، بهدف ترجيح دليل على آخر وفقًا لمعايير منطقية وقانونية موضوعية. والغاية من الموازنة بين الأدلة الوصول إلى الحقيقة القضائية. وتحقيق العدالة وفقًا لمعايير قانونية.وضمان عدم وقوع الظلم أو إصدار أحكام مبنية على الظن. و تأصيل مبدأ قناعة القاضي في الحكم. و مرآة ذلك تسبيب حيثيات الحكم الواقعية و القانونية.
ثانيًا: منهج الموازنة بين الأدلة و مراحله :
المرحلة الأولى :جمع الأدلة باستقصاء جميع الأدلة المقدمة في النزاع. المرحلة الثانية : تصنيف الأدلة الى أدلة مباشرة (إقرار، شهادة مباشرة، مستند رسمي) و أدلة غير مباشرة (قرائن، شهادة سماعية، تقارير فنية). المرحلة الثالثة: التحليل النقدي للأدلة من خلال دراسة قوة كل دليل على حدة و مدى ارتباطه بالواقعة و الظروف المحيطة بإنتاج الدليل. المرحلة الرابعة: التعارض الظاهري ، هل يوجد تعارض حقيقي أم تعارض ظاهري؟ ، هل يمكن التوفيق بين الأدلة المتعارضة؟ ، ثم تأتي المرحلة الأخيرة :الترجيح باللجوء إلى معايير الترجيح المعتمدة في الفقه والقانون.
ثالثاً : معايير الموازنة بين الأدلة:
1 -القوة الثبوتية: الدليل القطعي مقدم على الدليل الظني.
2 - الوضوح واليقين:الدليل الواضح أولى من الدليل الغامض.
3 - التوافق مع باقي الأدلة: الدليل الذي يتوافق مع باقي الأدلة أقوى من الدليل المنفرد.
4 - التسلسل الزمني: الأدلة الأقرب زمنًا للواقعة أولى من الأدلة المتأخرة.
5 - العدالة والأمانة: شهادة العدل مقدم على شهادة مجهول الحال.
6 - الدليل المباشر والقرائن: الدليل المباشر مقدم على القرينة، إلا إذا كانت القرينة قوية.
الأمثلة العملية من القضاء المصري ، تعد الأحكام الصادرة عن محكمة النقض المصرية نموذجًا تطبيقيًا على كيفية الموازنة بين الأدلة وترجيح بعضها على بعض وفقًا لضوابط قانونية.
1. الإقرار مقدم على الشهادة ،حكم محكمة النقض المصرية (الطعن رقم 3122 لسنة 85 قضائية)،القاعدة:"الإقرار حجة قاطعة على المقر ولا يجوز الرجوع عنه إلا بدليل أقوى."التطبيق: في هذه القضية، اعتمدت المحكمة على إقرار المتهم المكتوب، ورجحته على شهادة الشهود التي جاءت متعارضة.
2. الشهادة المباشرة مقدمة على الشهادة السماعية،حكم محكمة النقض المصرية (الطعن رقم 1170 لسنة 54 قضائية)القاعدة:"شهادة الشاهد العيان مقدمة على الشهادة السماعية إذا لم تقم شبهة على تواطؤ الشاهد العيان."التطبيق:المحكمة اعتمدت على شهادة شاهد رأى الواقعة بنفسه، ورفضت شهادة سماعية مبنية على روايات غير مباشرة.
3. الدليل العلمي مقدم على الشهادة الشخصية ،حكم محكمة النقض المصرية (الطعن رقم 1445 لسنة 50 قضائية)
القاعدة:"التقارير الفنية المقدمة من الخبراء الرسميين تعتبر أقوى من أقوال الشهود إذا خلت من العيوب." التطبيق:رجحت المحكمة تقرير الطب الشرعي الذي أثبت أسباب الوفاة على أقوال شهود العيان.
4. الشك يفسر لصالح المتهم (الموازنة في القضايا الجنائية) ، حكم محكمة النقض المصرية (الطعن رقم 27444 لسنة 67 قضائية) ، القاعدة: "إذا تساوت الأدلة في القوة والثبوت، وجب الأخذ بما هو في صالح المتهم." التطبيق:اعتمدت المحكمة على أن الشك في شهادة الشهود جنبًا إلى جنب مع عدم وجود دليل مادي قاطع أدى إلى تبرئة المتهم.
5. القرينة القوية مقدمة على الشهادة المتعارضة ،حكم محكمة النقض المصرية (الطعن رقم 5506 لسنة 73 قضائية)،القاعدة: "القرائن القوية ذات العلاقة المباشرة بالواقعة ترجح على الشهادات المتعارضة."التطبيق:المحكمة اعتمدت على تقرير بصمات الأصابع الذي أثبت وجود المتهم في مكان الجريمة، رغم تعارض أقوال الشهود.
هذا بعض من الأمثلة التي تفيد المعنى إيضاحا،من خلال هذه الأمثلة يتضح أن منهج الموازنة بين الأدلة في القضاء المصري يستند إلى:ترتيب الأدلة من حيث القوة. تقديم الأدلة القطعية على الظنية.الالتزام بضوابط قانونية موضوعية.أي أن الأمر بعيد عن الشعور الداخلي ، إذا خلا الحكم من تتبع هذه المعايير فأنه يكون خليقاً بالطعن عليه بطرق الطعن المقررة قانوناً
مبدأ الموازنة بين الأدلة في القرآن الكريم والسنة النبوية
أولًا: الموازنة بين الأدلة في القرآن الكريم :
مبدأ الموازنة بين الأدلة هو منهج عقلي وقضائي أصيل، وقد وردت إشارات متعددة إليه في القرآن الكريم من خلال: دعوة القرآن إلى تحري العدل في الحكم: قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (النحل: 90).الأمر بالعدل يشمل ضرورة التوازن بين الأدلة للوصول إلى الحكم الصائب. التثبت في قبول الأخبار:قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6).الآية تؤسس قاعدة التثبت من صحة الدليل قبل الأخذ به.مبدأ الحياد وعدم التحيز في الموازنة:قال الله تعالى:(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: 152).الموازنة بين الأدلة يجب أن تقوم على الموضوعية لا على الأهواء أو العلاقات الشخصية.الدعوة إلى استخدام القرائن:قال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (يوسف: 26-27).هذه الآية تمثل نموذجًا واضحًا للموازنة بين الأدلة من خلال الاستناد إلى القرائن المادية.
ثانيًا: الموازنة بين الأدلة في السنة النبوية:
النبي ﷺ أرسى قواعد الموازنة بين الأدلة في العديد من المواقف:التحقيق في الدعاوى ،قال النبي ﷺ:(لو يُعطَى الناس بدعواهم، لادّعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المُدَّعِي واليمين على من أنكر) (رواه البخاري ومسلم).الحديث يضع قاعدة قانونية للموازنة، حيث قُدِّمت البينة على الدعوى، بينما كان اليمين وسيلة للمدعى عليه.ترجيح الأدلة الأقوى: في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، قال النبي ﷺ:(وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (رواه البخاري). المبدأ هنا أن الأدلة لا تُوازن بناءً على الأشخاص، بل بناءً على القوة والحجية.التحقق من الشهادة قبل اعتمادها:ورد أن النبي ﷺ رد شهادة رجل لشبهة عداوته (رواه الترمذي).وهذا تطبيق لمبدأ عدالة الشاهد كشرط لترجيح شهادته. الترجيح بالقرائن: في قضية المرأة التي ادعت على زوجها أنه طلقها ولم يكن هناك بينة، أمر النبي ﷺ بأن تحلف يمينًا، فحُكم لها بناءً على القرينة الراجحة وهي يمينها مع عدم وجود دليل أقوى.
ثالثًا: ضوابط الموازنة بين الأدلة في الشريعة ، من الضوابط المستنبطة من النصوص:العدالة والنزاهة بتقديم دليل العدل على دليل الفاسق.التثبت والتيقن بتقديم الدليل القاطع على الدليل الظني.الترتيب المنطقي فالإقرار مقدم على الشهادة. القرائن فالقرائن القوية ترجح على الشهادة المتعارضة.رفع الشك: قال النبي ﷺ:(ادرءوا الحدود بالشبهات) (رواه الترمذي).وهذا يعني أن الشك يجب أن يفسر لصالح المتهم.
رابعًا: القواعد الأصولية في الموازنة بين الأدلة : البينة على المدعي واليمين على من أنكر. الأصل بقاء ما كان على ما كان.الشك يفسر لصالح المتهم (البراءة الأصلية).القطع مقدم على الظن.الدليل الأحدث زمنًا أولى إذا تعارض مع دليل أسبق.
يمكننا القول بأن منهج الموازنة بين الأدلة هو أصل شرعي ثابت في القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعتمد على:العدالة.التثبت.قوة الدليل.القرائن.رفع الشك. نخلص من ذلك إلى أن القران الكريم و السنة النبوية الشريفة ورد المنهج فيهما ، و أن المنهج القضائي في الترجيح بين الأدلة مستقى من القران الكريم و السنة النبوية الشريفة ، أرجو من الله أن أكون قد أفدت بهذا الموضوع دون ايجاز مخل ، و نسأل الله التوفيق .
و الله الموفق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق