خلق الوفاء بالعهد
مكارم الأخلاق، قال الله تعالى في مقام مدح سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(4) سورة القلم، أنها شهادة من رب العالمين بأحرف من نور لنبيه مؤكدًا فيها أنه على خلق عظيم، و أسلوب التأكيد المستخدم هنا في هذه الأية أكثر من أسلوب من أساليب اللغة العربية في التأكيد ،أسلوب التوكيد: استخدم الله "إنَّ" وهي أداة توكيد تفيد التأكيد على عظمة خلق النبي ﷺ. وجود اللام في "لَعَلَى" وهو حرف توكيد آخر يزيد من قوة المعنى.
أسلوب القصر والتخصيص: تقديم الجار والمجرور "لَعَلَى" يفيد القصر، أي أن النبي ﷺ وحده هو الموصوف بهذا الخلق العظيم دون غيره.أسلوب المدح والثناء:الآية جاءت بصيغة المدح، حيث يثني الله على نبيه ﷺ بصفة عظيمة وهي الأخلاق الرفيعة. أجتماع هذه الأساليب الثلاثة تؤكد و تفيد على قدر مكارم الأخلاق عند الله سبحانه و تعالى و من مكارم الأخلاق خلق الوفاء بالعهد، و يحظى هذا الخلق في مقالنا هنا بتسليط الضوء عليه لما له من أثر عظيم في صلاح الفرد و المجتمع.
الوفاء بالعهد من مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وهو أحد الأسس التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية والاجتماعية. فالعهود والمواثيق لها أهمية كبيرة في حفظ الحقوق وبناء جسور الثقة بين الأفراد والمجتمعات. ولقد جاء الأمر بالوفاء بالعهد في القرآن الكريم والسنة النبوية، مما يدل على عظم مكانته في الإسلام. قال الشاعر:إذا قُلْت في شيء نعـم فأتمه.. .. .. فإن نعم دين على الحرِّ واجبُ ، وإلا فقل:لا،تسترحْ وتُرِحْ بها.. .. .. لِئلاَّ تقـول النـاسُ إنك كاذبُ.
أولًا: تعريف و مفهوم الوفاء بالعهد:
يعرف بأنه (الوفاء بالعهد في اللغة العربية يُعرَّف بأنه الالتزام بما تم التعهد به وعدم الإخلال به). الوفاء في اللغة: يأتي من الفعل وفَى، ويعني إتمام الشيء وإكماله دون نقص، ويقال "وفَى بالوعد" أي أدّاه كاملاً.العهد في اللغة: هو الاتفاق أو الالتزام الذي يُقطعه الإنسان على نفسه أو مع غيره، وقد يكون عهدًا بين الأفراد أو بين الإنسان وربّه.وبذلك، فإن الوفاء بالعهد يعني المحافظة على الالتزامات والوعود وإتمامها كما تم الاتفاق عليها دون غدر أو نكث.
مفهوم الوفاء بالعهد يعني التزام الإنسان بتنفيذ ما تعهد به، سواء كان ذلك تجاه الله أو تجاه الآخرين. وهو يشمل الأمانات، العقود، والوعود. ويعدّ الوفاء بالعهد من الصفات التي تميز المؤمن الصادق عن المنافق، فقد جعل الإسلام الإخلال به من صفات النفاق.
ثانياً-أنواع الوفاء بالعهد تنقسم إلى عدة أقسام بحسب الجهة التي يكون العهد معها، وهي:
1- الوفاء بالعهد مع الله : يشمل الالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه، وتنفيذ ما أمر به، مثل أداء العبادات والفرائض، كما قال تعالى:﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ (النحل: 91).
2- الوفاء بالعهد مع الناس : الوفاء بالوعود الشخصية كأن يَعِد الإنسان شخصًا بشيء فيلتزم به. الوفاء بالاتفاقات والعقود: مثل العقود التجارية، وعقود العمل، والاتفاقيات بين الأفراد أو الجماعات. الوفاء بالعهود السياسية والاجتماعية: كالالتزام بالعهود بين الدول أو بين الحاكم والمحكوم.
3 -الوفاء بالعهد مع النفس: وهو أن يلتزم الإنسان بالمبادئ والقيم التي يؤمن بها، ولا يخون نفسه أو يتراجع عن أهدافه وقراراته الصالحة.
4- الوفاء بالعهد في العلاقات الأسرية: مثل التزام الزوجين بميثاق الزواج، ورعاية الوالدين لأبنائهم، وبر الأبناء بوالديهم.
ثالثاً - مكانة الوفاء بالعهد في القران الكريم و السنة النبوية الشريفة:
جاء في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تأمر بالوفاء بالعهد، وتبين أهميته في حياة المسلم، ومنها: قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 34) ، هذه الآية توضح أن الوفاء بالعهد أمر مسؤول عنه الإنسان أمام الله يوم القيامة. و قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1)، يأمر الله المؤمنين بضرورة الالتزام بعهودهم، سواء مع الله أو مع الناس. و قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: 8)،جعل الله الوفاء بالعهد من صفات المؤمنين المفلحين.
أما عن الوفاء بالعهد في السنة النبوية ، فقد أكدت السنة النبوية على أهمية الوفاء بالعهد، واعتبرته من علامات الإيمان. ومن الأحاديث التي وردت في ذلك: قال النبي ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (رواه البخاري ومسلم). في هذا الحديث، جعل النبي ﷺ إخلاف الوعد من علامات النفاق، مما يبين خطورة عدم الوفاء بالعهد. وقال ﷺ: «أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك، ولا تخن مَن خانك» (رواه الترمذي). يوضح الحديث أن الوفاء بالعهد والأمانة من الأخلاق التي يجب أن يلتزم بها المسلم، حتى وإن خانه الآخرون. قال النبي ﷺ: «المسلمون عند شروطهم» (رواه أبو داود). أي أن المسلم يجب أن يفي بما التزم به من شروط ووعود.
رابعاً- أهمية الوفاء بالعهد في المجتمع و أثره :
الوفاء بالعهد ليس مجرد خلق فردي، بل له آثار كبيرة على المجتمع، منها،تعزيز الثقة بين الأفراد عندما يفي الناس بعهودهم، تزداد الثقة بينهم، مما يقوي العلاقات الاجتماعية والتجارية. تحقيق الاستقرار في المعاملات فالالتزام بالعهود يجعل المعاملات التجارية والقانونية أكثر استقرارًا وأمانًا.القضاء على الفوضى والخداع فالمجتمع الذي يلتزم أفراده بوعودهم يكون بعيدًا عن الغش والخداع والمماطلة.كسب رضا الله ومحبة الناس فالوفي بعهده يكون محبوبًا عند الله وعند الناس، مما يعزز مكانته في المجتمع.
خامساً - أمثلة من التاريخ الإسلامي عن الوفاء بالعهد:
وفاء النبي ﷺ في صلح الحديبية: عندما أبرم النبي ﷺ صلح الحديبية مع قريش، التزم ببنود الاتفاق رغم أن بعض الصحابة اعترضوا عليه، وأثبت للعالم أن الإسلام دين يحترم العهود.وفاء الصحابي حذيفة بن اليمان: في غزوة بدر، وقع حذيفة بن اليمان وأبوه في أسر المشركين، فأخذوا منهما عهدًا بألا يقاتلوهم، فلما أخبر حذيفة النبي ﷺ بذلك، منعه من القتال احترامًا للعهد، حتى مع أنه كان في موقف ضعف.وفاء عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء: عندما فتح المسلمون القدس، أعطى عمر بن الخطاب لأهلها عهدًا بالأمان، فيما عرف بـ"العهدة العمرية"، التي ضمنت حقوقهم الدينية والاجتماعية.
سادساً- كيف نمارس هذا الخلق؟ نمارسه من خلال مراعاة ،التفكير قبل إعطاء الوعد: لا تعد بشيء لا تستطيع الوفاء به. تنفيذ الالتزامات في وقتها: عدم التأخير في تنفيذ الوعود. كتابة الاتفاقات المهمة: لضمان عدم النسيان أو التراجع.الاعتذار إذا تعذر الوفاء: مع توضيح السبب، بدلًا من الكذب أو الإهمال.
نختم حديثنا عن الوفاء بالعهد إنه من القيم الأخلاقية العظيمة التي حث عليها الإسلام، وهو دليل على الصدق والإيمان. ومن خلال الالتزام بالعهود، نستطيع بناء مجتمع قائم على الثقة والاحترام. فلنحرص على أن نكون من الذين يوفون بعهودهم، حتى ننال رضا الله وحب الناس. و قد قيل في شأنه إن الوفاء من الأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة، وهو صفة من صفات النفوس الشريفة، يعظم في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون. وقد قيل: إن الوعد وجه، والإنجاز محاسنه، والوعد سحابة، والإنجاز مطره. ندعو الله سبحانه وتعالى أن يمتعنا بهذا الخلق ما دمنا أحياء.
و الله المستعان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق