الثلاثاء، 17 يونيو 2025

الاعتراف ليس سيد الأدلة: قراءة متعمقة في زيف القداسة الزائفة للأدلة الشخصية في ضوء مبادئ العدالة الجنائية

 الاعتراف ليس سيد الأدلة: قراءة متعمقة في زيف القداسة الزائفة للأدلة الشخصية في ضوء مبادئ العدالة الجنائية

إعداد- حسام الدين عبد السلام المحامي بالنقض.

   على مرّ العصور، ظلّ الاعتراف يُنظر إليه بوصفه "سيد الأدلة" في الدعوى الجنائية، حتى رسّخه الفقه التقليدي والممارسة العملية في الأذهان كدليل لا يُعلى عليه. إلا أن الواقع القضائي والحقوقي المعاصر، بكل ما فيه من تطور في أدوات الكشف والتقييم، يكشف عن هشاشة هذه المقولة إذا لم توضع في إطارها الصحيح.

   فالعدالة الجنائية لا تُبنى على أقوال مجردة، بل على يقين تُسانده أدلة موضوعية، تخضع للفحص النقدي والتكامل مع غيرها.

   من هنا، بات لزامًا علينا إعادة قراءة مفهوم الاعتراف، ليس باعتباره سيدًا مطلقًا، بل كأحد عناصر البناء الاستدلالي، يتقدّم حين يصدق ويتراجع حين يعتريه الريب، ويُهمل حين يُنزع من سياقه الطبيعي.

أولًا: ماهية الاعتراف وحدوده القانونية

   الاعتراف في القانون الجنائي هو إقرار المتهم بارتكاب الواقعة الإجرامية، سواء في التحقيقات أو أثناء المحاكمة. وقد استقر قضاء النقض المصري على أن: "الاعتراف شأنه شأن سائر عناصر الإثبات، تخضع لتقدير قاضي الموضوع، وله أن يزن صدقه وظروفه ومدى مطابقته للواقع"،(طعن رقم ٢٥٤٤ لسنة ٦٠ قضائية – جلسة ١٩٩٢/٢/١٧)، ومن ثم، لا يملك الاعتراف قداسة ذاتية، بل يرتبط بقيمته الموضوعية داخل شبكة الأدلة.

ثانيًا: لماذا لا يُعد الاعتراف "سيد الأدلة"؟ – تحليل بعدسيات متعددة

العدسة النفسية – عمق الذات تحت الضغط

   ليس كل ما ينطق به المتهم يُعدّ صادقًا. فالنفس البشرية، تحت الخوف أو الإكراه أو الندم المريض أو الرغبة في التضحية، قد تُقرّ بما لم تفعل. وقد قررت محكمة النقض أن: "الاعتراف الذي يُنتزع تحت وطأة الإكراه أو التهديد لا يُعوَّل عليه ولو كان صادقًا"(طعن رقم ٢٦٤٦ لسنة ٥٨ قضائية – جلسة ١٩٨٨/١/٢٥).

العدسة الواقعية – التحقق من التطابق

   حين يتناقض الاعتراف مع التقرير الطبي، أو يتنافر مع توقيت ارتكاب الجريمة، أو يُخالف أقوال الشهود، يصبح محل ريبة، لا قرينة إدانة. "إذا لم يتطابق الاعتراف مع الوقائع الثابتة بالأوراق، فإن للمحكمة أن تطرحه ولا تعوّل عليه"(طعن رقم ٥٢١٨ لسنة ٦٢ قضائية – جلسة ١٩٩٤/٣/٢٩)

العدسة الأخلاقية – احتمال التضحية أو التواطؤ

    في قضايا العصابات والعائلات، قد يعترف شخص بالجريمة حماية لآخر، أو تنفيذًا لتفاهم ضمني. وهذا لا يُكشف إلا بفحص شبكة العلاقات والمصالح.

العدسة الإجرائية – إخلال ضمانات التحقيق

   حين يتم التحقيق في غياب محامٍ، أو دون تمكين المتهم من الدفاع، أو تحت ظروف غير إنسانية، فإن الاعتراف يتحول من دليل إلى شبهة ضد من انتزعوه.

ثالثًا: الاعتراف ليس دليلًا حاكمًا بل دليل يُحاكَم

   استقر قضاء النقض على أن الاعتراف لا يُعدّ بذاته سببًا كافيًا للحكم بالإدانة، إذا لم تؤيده أدلة أخرى: "للمحكمة أن تأخذ باعتراف المتهم متى اطمأنت إلى صحته، دون أن تكون ملزمة بالأخذ به إذا شابته شبهة أو تعارض"(الطعن رقم ١٤٩١٢ لسنة ٦٣ قضائية – جلسة ١٩٩٥/١٢/٥)

   بل إن بعض أحكام النقض قضت بإلغاء الحكم رغم وجود اعتراف، لأنه لم تُدعّمه أدلة كافية، وهو ما يعكس فهماً دقيقًا للعدالة المبنية على تكامل الأدلة لا تعظيم أحدها.

رابعًا: توازن العدالة لا يتحقق بالاعتراف وحده

   من منظور شامل، تكتمل الصورة الجنائية بتحقيق التناسق بين: الأدلة المادية (كالبصمات، والآثار). الأدلة الفنية (كالطب الشرعي والتحاليل). الشهادات (أقوال المجني عليه والشهود).الأدلة الإلكترونية (كالرسائل والمكالمات). ثم يأتي الاعتراف، كدليل يحتاج إلى الآخرين ليكتمل صداه.

خامسًا: تطبيقات عملية قضائية تجاهلت الاعتراف كدليل كافٍ على الحقيقة

١. اعتراف زوج بقتل زوجته دفاعًا عن الشرف... فكانت الزوجة حيّة

   في إحدى القضايا، اعترف رجل أمام الشرطة بأنه قتل زوجته خنقًا بعد ضبطها في وضع مريب مع أحدهم. وتم القبض عليه، وسُجّل اعترافه. غير أن الزوجة ظهرت حيّة بعد أسبوع في محافظة أخرى، وتبيّن أنها فرت هربًا منه بسبب تعنيفه المستمر. الدلالة: الاعتراف لم يكن إلا إسقاطًا لوهم نفسي وخوف داخلي، وليس دليلاً على واقع حقيقي.

٢. اعتراف تحت تأثير الضغط النفسي في جريمة سرقة بالإكراه

   شاب فقير اعترف بجريمة سرقة تحت تهديد السلاح، وأُغلقت القضية بناءً على اعترافه فقط. لاحقًا، ظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة تُظهر أن المتهم لم يكن في موقع الجريمة، بل في منطقة أخرى تمامًا. الدلالة: الواقع الخارجي كشف زيف الاعتراف الداخلي. الاعتراف هنا لم يكن نتيجة ارتكاب، بل نتيجة ضغط اجتماعي وربما شعور بالذنب تجاه وضعه الأسري.

٣. اعتراف أب بقتل ابنه لحماية الابن الحقيقي

   في إحدى القرى، عُثر على جثة شاب محترقة، واعترف الأب أنه قتله نتيجة خلافات أسرية. أثناء التحقيق، تبيّن أن الابن الحقيقي كان مُختبئًا، وأن القتيل شخص آخر قُتل في مشاجرة. اعترف الأب بالجريمة لحماية ابنه، وادّعى المسؤولية لإخفاء الحقيقة. الدلالة: هذا نموذج حيّ للتضحية وتحمل الجريمة عن شخص آخر، وهو ما يبطل حُجية الاعتراف ويُظهر خطورته إذا استُخدم بمعزل عن باقي القرائن.

٤. اعتراف في قضايا سياسية تحت التهديد

   في عدد من القضايا السياسية أو التجمهر، اعترف بعض المتهمين بارتكاب أفعال تحريض أو عنف. لاحقًا، ثبت بالأدلة الرقمية (الهواتف، المواقع الإلكترونية، كشوف الاتصالات) أنهم لم يشاركوا في الأحداث من الأساس. الدلالة: الاعتراف هنا لا يمثل أكثر من صدى لضغط نفسي أو تعذيب جسدي، وقد يُستخدم كأداة لتصفية حسابات سياسية أو أمنية.

٥. اعتراف طفل في قضية حريق عمد

   في قضية حريق في مدرسة، اعترف طفل في الصف الخامس الابتدائي بأنه أشعل النار في المكتبة. بعد تحقيق موسع، تبيّن أن سبب الحريق كان ماسًا كهربائيًا، وأن الطفل ظنّ أنه مسؤول عن الكارثة نتيجة إشعاله شمعة قبل الحريق بيومين. الدلالة: الاعتراف هنا نابع من وهم ذاتي، ناتج عن إحساس مبالغ فيه بالذنب، وهو ما يُبطل القوة القانونية لهذا الاعتراف.

 الاعتراف أضعف حين ينعزل عن باقي الأدلة

   كل هذه التطبيقات تُثبت أن الاعتراف، في ذاته، لا يُشكّل يقينًا قانونيًا ما لم: يُؤيَّد بأدلة مادية أو فنية. يصدر في ظروف قانونية سليمة.يتسق مع تسلسل الأحداث والقرائن. وهذا يؤكد أن العدالة لا تُبنى على كلمة المتهم فحسب، بل على منهج فكري نقدي يعيد تفكيك المعطيات، ويركّبها من جديد في ضوء مجموعة واسعة من "العدسات" التي تكشف الحقيقة من خلف الحُجب.

من القداسة إلى الحذر

   في زمنٍ تتشابك فيه المصالح وتتنوع ضغوط التحقيق، لم يعد الاعتراف سلطانًا مطلقًا، بل صار خاضعًا للمراجعة، مثله مثل سائر الأدلة، يُقبل حين يكتمل، ويُطرح حين يشك فيه. فالعدالة ليست رهينة كلمة تُقال، بل هي ثمرة عقل يتفحّص، ومنهج يُحلّل، وقاضٍ يُبصر ما وراء النص، ويزن الدليل في ميزان ضميره المهني والعقلي. هذا قدر ضئيل لتسليط الضوء على أحد الأدلة الجنائية ،رفعاً للانخداع بالاعتراف وحده كدليل، و إليه يرجع العلم كله. سبحانه







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...