السبت، 14 يونيو 2025

ظاهرة عدم حب الخير للغير: بين غريزة التنافس وغياب البصيرة

 ظاهرة عدم حب الخير للغير: بين غريزة التنافس وغياب البصيرة

   بقلم: حسام الدين عبد السلام

    للأسف الشديد في زحمة الحياة اليومية، حين تعلو صيحات الإنجاز من هنا وهناك، تظهر على سطح العلاقات الاجتماعية ظاهرة متنامية، قد لا يُفصح عنها الناس علنًا، لكنّها تسكن القلوب وتُوجِّه السلوك: ظاهرة عدم حب الخير للغير.

   هي ليست مجرد حسد بالمعنى البسيط، بل هي حالة مركبة من الضيق الخفي حين يُرزق الآخر، والارتياح غير المعلن إذا فشل، والامتعاض الصامت عند سماع أخبار السعادة أو النجاح من قريب أو صديق. وكأن الخير إذا زار غيرنا فقد خان موعده معنا!

ما جذور هذه الظاهرة؟

   ليس من السهل أن نُحمّل شخصًا ما مسؤولية شعوره تجاه نجاح غيره، لكن هناك أنماطًا نفسية واجتماعية وثقافية متشابكة تجعل هذه الظاهرة تنمو وتتمدّد في الوعي الجمعي:

1. ثقافة المقارنة لا ثقافة البناء: في مجتمعاتنا، نُربّى على التقييم من خلال المقارنة: من هو الأول؟ من الأفضل؟ من الأغنى؟ من الأجمل؟ وهذا يُنشئ عقلية ترى الآخر خصمًا لا رفيقًا، ومنافسًا لا ملهِمًا.

2. الفراغ القيمي والروحي: حين يغيب اليقين بأن الأرزاق موزعة بعدل إلهي، يميل الإنسان إلى الظن أن ما أُعطي لغيره قد انتُزع منه، فيتحول النجاح إلى تهديد، والسعادة إلى خطر يستفزّه.

3. الإحساس الداخلي بالعجز: من يشعر أنه لا يملك أدوات الصعود، يكره السلالم التي ارتقاها غيره. ومن لا يرى لنفسه بابًا مفتوحًا، يغضب من مفاتيح الآخرين.

مظاهر هذه الظاهرة في الحياة اليومية:

   شخص يُخفي امتعاضه حين يُبشَّر بخبر ترقية صديقه. امرأة تتجاهل تهنئة قريبتها بزواج أو ولادة. شاب يُشيع عن نجاح زميله بأنه مدفوع أو غير مستحق. آخرون يسارعون لتقليل أي إنجاز يظهر أمامهم بعبارات من قبيل: "صدفة، علاقات، حظ، مبالغة". إنه أشبه بـ"السرطان النفسي"، ينخر في بنية العلاقات دون أن يترك آثارًا مادية ظاهرة، لكنه يقتل من الداخل: يقتل الفرح الجماعي، الثقة، المشاركة، والدعم المتبادل.

لماذا تُعدّ هذه الظاهرة خطرًا فكريًا واجتماعيًا؟

   لأنها تُحوّل المجتمع من شبكة داعمة إلى ساحة صراع صامت. تختفي المبادرات الخيّرة، ويبدأ الناس بإخفاء نجاحاتهم لا من باب التواضع، بل من باب الخوف. تُصبح العلاقات حذرة، والوجوه مموّهة، والقلوب مملوءة بسوء الظن. وما لا يُدركه البعض أن هذه المشاعر لا تؤذي الغير بقدر ما تفتك بصاحبها. فالقلق من نجاح الآخرين لا يُنتج نجاحًا، والضيق من الخير لا يمنع حدوثه، بل يمنع إدراكه في حياة المرء.

كيف نواجه هذه الظاهرة فكريًا؟

أولًا: إعادة تعريف النجاح

   بمنهج التفكير التليسكوبي، لا نرى الأشياء كما هي فقط، بل نراها من زوايا متعدّدة ومستويات متداخلة. النجاح لا ينبغي أن يُرى ككعكة محدودة الحجم، من أخذ منها حصة قلّت حصتك. بل هو كالنور، إن انتشر أضاء للجميع. وما نراه في حياة غيرنا من خير، قد يكون دعوة خفية لنا لنسلك طريقًا مماثلًا أو نصوغ مسارًا خاصًا بنا.

ثانيًا: تحرير النفس من المقارنة المستنزِفة

   من وُهب النعمة لا يعني أنه أُعطي الأفضلية، بل أُعطي ما يناسبه. وما نحن فيه من ابتلاءات أو تأخيرات قد يكون لصالحنا في صورة لم تتضح بعد. بهذا الفهم، يتحوّل شعور الحسد إلى حالة فضول إيجابي: كيف نجح فلان؟ ما الأدوات؟ ما القيم التي أوصلته؟ وهنا تبدأ رحلة التعلم لا التذمر.

ثالثًا: زرع ثقافة "الفرح الجماعي"

 كما نفرح بزواجنا، علينا أن نفرح بزواج غيرنا. كما نُسرّ بأبناءنا، لنُسرّ بأبناء غيرنا. لنكسر هذه النزعة التي تجعلنا نحب الخير لأنفسنا فقط. فحب الخير لغيرك لا يُنقص من رزقك، بل يُزيده بركة.

   في عالم متغيّر، تُصبح القيم أثمن من الممتلكات. وأجمل ما نملكه هو قلب لا يضيق بنجاح الآخرين، بل يفرح لهم، ويستمد من قصصهم طاقة جديدة لصناعة طريقه. من لم يتعلّم كيف يفرح بغيره، لن يعرف طعم الفرح الحقيقي حين يأتيه. ومن عاش حبيس مقارنة خاسرة، لم يعرف نفسه، ولا قدرها. فلنحرّر أنفسنا من سجن الحسد، ولننظر إلى النعم من حولنا، لا بعين النقص، بل بعدسة البصيرة. هناك يكمن الفرق بين من يرى الخير، ومن يُبصره.

   من معي و ومن ضدي فيما سلف؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...