ما هى الا ايام معدودة تفصلنا عن تطبيق قانون الإجراءات الجنائية المصري ، و هو قانون الإجراءات الجنائية الجديد برقم 174 لسنة 2025 ليحل محل القانون القديم الصادر عام 1950، و كنت أرجو ان ينال حظه من المناقشات و التمهل في اصداره لمعالجة ما يدور حولنا اليوم من الاشكاليات الاجرائية المتعلقة بالجرائم الالكترونية التى لم تستوفِ حقها في القانون الجديد من المعالجة التشريعية .
يشهد العالم مع الطفرة التكنولوجية الهائلة تحولاً جذرياً في مفهوم الجريمة، حيث تجاوزت الجرائم الأطر المادية التقليدية لتنتقل إلى "الفضاء الرقمي" (Cyber space). ومع ظهور ما يُعرف بالجرائم الإلكترونية أو جرائم تقنية المعلومات، واجهت القواعد الإجرائية والموضوعية التقليدية في القانون الجنائي اختباراً صعباً؛ نظرًا لأن هذه القواعد صيغت أصلاً لضبط أفعال مادية ملموسة تحدث في عالم واقعي ذي معالم زمانية ومكانية محددة.
تتجلى هذه الصعوبة بشكل خاص في مسألتين جوهريتين من مسائل قانون الإجراءات الجنائية والقانون الجنائي العام: أولاهما إشكالية تحقق حالة التلبس (Flagrante Delicto) في الجرائم الإلكترونية وما يترتب عليها من استثناءات على حرية الأفراد وحرمة مستنداتهم وبياناتهم، وثانيهما تحديد المعيار القانوني الدقيق لبدء احتساب مدة تقادم الدعوى الجنائية (Statute of Limitations) في ظل الطبيعة الرقمية السلسة والمستمرة للأفعال المرتكبة عبر الشبكات.
إشكالية التلبس في الجرائم الإلكترونية
تُعد حالة التلبس بالجريمة من أهم الحالات الإجرائية التي تُخول سلطات الضبط القضائي صلاحيات استثنائية تمس حقوق الأفراد وحرياتهم، مثل القبض والتفتيش دون حاجة لإذن سابق من السلطة القضائية المختصة. والعلة من ذلك هي قيام الشبهة القوية واليقين الناجم عن معايشة الجريمة أو معاينة آثارها فور وقوعها.
1. مفهوم التلبس التقليدي ومقتضياته
تتفق معظم التشريعات الجنائية الإجرائية (كالمرفقة بالقانون المصري، الفرنسي، أو قوانين الإجراءات الجزائية العربية) على وضع حالات محددة للتلبس على سبيل الحصر، وتتمثل في: مشاهدة الجريمة حال ارتكابها. مشاهدتها عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. تتبع الجاني بإصياح إثر وقوع الجريمة.العثور على الجاني بعد وقوع الجريمة بوقت قريب حاملاً آلات أو أسلحة أو أمتعة تُستدل منها على أنه فاعل أو شريك، أو وجود آثار أو علامات تقطع بذلك.
اشترط الفقه والقضاء في جميع هذه الحالات شرطين أساسيين: المعايشة المادية المباشرة: أن يدرك مأمور الضبط القضائي حالة التلبس بحاسه من حواسه (الرؤية، السمع، الشم). المشروعية الإجرائية: ألا يكون الكشف عن حالة التلبس نتاج إجراء غير مشروع أو استراق غير قانوني للسمع والرؤية.
2. التحديات الإجرائية لتطبيق التلبس على الجريمة الرقمية
عند إسقاط هذه الشروط التقليدية على الجرائم الإلكترونية (مثل الاختراق، السب والقذف الإلكتروني، التجسس على البيانات، نشر المحتوى غير المشروع)، تنشأ إشكاليات قانونية معقدة و هى غياب المادية الحسية للمعاينة:
البيانات الرقمية (Digital Data) عبارة عن نبضات إلكترونية وشفرات خوارزمية غير مرئية بالعين المجردة. فإذا كان مأمور الضبط القضائي يشاهد شاشة حاسوب تُظهر موقعاً إلكترونياً يُبث منه محتوى مجرم، فهل يُعد ذلك "مشاهدة للجريمة حال ارتكابها"؟ أم أن ما يراه هو مجرد "نتيجة" أو "أثر رقمي" لفعل تم ارتكابه في مكان وزمان غير معلومين؟
الفاصل الزماني والمكاني: في الجريمة التقليدية، يتزامن المكان والزمان غالبًا بين السلوك والنتيجة. أما في الجريمة الإلكترونية، فقد يُدخل الجاني أمراً برمجياً خبيثاً (Malware) من دولة ما، ليعمل بعد أشهر في حاسوب مجني عليه في دولة أخرى. هنا ينعدم عنصر "البرهة اليسيرة" التي يتطلبها القانون للقول بالتلبس عقب الارتكاب.
مشكلة تحديد الجاني والتلبس الشخصي: التلبس إما أن يكون للجريمة أو للجاني. وفي الفضاء الرقمي، قد تكون الجريمة متلبساً بها (كالموقع الإلكتروني المخترق في الحاضر)، لكن الشحنة الرقمية أو عنوان الـ IP لا يعني بالضرورة تحديد هوية الجاني الفعلي في تلك اللحظة، فقد يكون الحاسوب مُداراً عن بُعد عبر شبكة بوتنت (Botnet).
حدود التفتيش الرقمي عند تحقق التلبس: إذا تحققت حالة تلبس ظاهرة (كضبط شخص يبتز آخر عبر منصة تواصل في مقهى عام)، فهل يُبيح التلبس لمأمور الضبط القضائي تفتيش الهاتف الذكي بأكمله والولوج إلى السحابة الإلكترونية (Cloud storage)؟
يرى جانب كبير من الفقه الجنائي الحديث أن التفتيش الناجم عن التلبس يجب أن يقتصر على المادي المحسوس ولا يتعداه للولوج إلى البيانات المشفرة أو المحتوى الخاص السحابي، لأن التفتيش الرقمي المتعمق يتطلب إذنًا قضائياً صريحاً ومسبقاً يُحدد نطاقه وضوابطه ضماناً للحق في الخصوصية الدستوري.
بدء تقادم الدعوى الجنائية في الجرائم الإلكترونية
التقادم هو سبب من أسباب انقضاء الدعوى الجنائية بمضي فترة زمنية يحددها القانون من تاريخ وقوع الجريمة دون اتخاذ إجراءات قاطعة للمدة. ويهدف النظام العام منه إلى استقرار المراكز القانونية وتفادي صعوبة إثبات الجرائم بعد مضي وقت طويل.
1. القاعدة العامة لحساب مدة التقادم
تقضي القواعد العامة بأن مدة تقادم الدعوى الجنائية تبدأ من يوم وقوع الجريمة (أي من لحظة تمامها). وتختلف هذه اللحظة باختلاف التكييف القانوني للجريمة من حيث ركنها الزمني: الجريمة الوقتية تبدأ المدة من اليوم التالي لارتكاب الفعل السلوكي واستقراره. الجريمة المستمرة تبدأ المدة من اليوم التالي لانتهاء حالة الاستمرار. جريمة الاعتياد أو المتتابعة تبدأ المدة من اليوم التالي لارتكاب آخر فعل من الأفعال المكونة للاعتياد أو التتابع.
2. التكييف القانوني للجرائم الإلكترونية وتأثيره على بدء التقادم
تكمن الإشكالية الكبرى في الجرائم الإلكترونية في صعوبة الفصل بين الفعل الوقتي وآثاره المستمرة عبر الشبكة الشبكية (Internet)، وهو ما أدى إلى انقسام الفقه والقضاء إلى عدة اتجاهات.
ينقسم التكييف الزمني للجرائم الإلكترونية إلى نوعين رئيسيين يتحددان بحسب طبيعة السلوك الإجرامي ولحظة بدء احتساب تقادم الدعوى الجنائية: الجرائم الوقتية ذات الآثار المستمرة وهي الأفعال التي تنتهي بمجرد ارتكابها مثل النشر أو السب عبر الإنترنت، ويحسب التقادم فيها من لحظة رفع المحتوى أو بثه لأول مرة. الجرائم المستمرة في الفضاء الرقمي وهي الأفعال التي تتطلب إرادة متجددة للإبقاء عليها مثل إدارة موقع غير مشروع أو حيازة برامج اختراق، ولا يبدأ التقادم فيها إلا من لحظة إغلاق الموقع أو إزالة المحتوى نهائياً.
أ. الجرائم الإلكترونية الوقتية (Instantaneous Cybercrimes)
هي الجرائم التي تتحقق مقوماتها بمجرد القيام بالسلوك الرقمي، ومثال ذلك: النقر على زِر إرسال أمر اختراق (Hacking attack). إجراء تحويل مالي غير مشروع بقرصنة حاسوبية.إرسال رسالة سب أو تهديد إلكتروني لشخص معين. بدء التقادم، يبدأ التقادم هنا من اليوم التالي لإتمام السلوك الإجرامي أو تحقق النتيجة المباشرة، ولا تثير هذه الفئة صعوبة بالغة مقارنة بغيرها.
ب. الجرائم الإلكترونية المستمرة (Continuous Cybercrimes)
هي الجرائم التي يتطلب ركنها المادي تدخلاً متجدداً من إرادة الجاني للإبقاء على الحالة الإجرامية قائمة. ومثال ذلك: إنشاء وإدارة موقع إلكتروني مخصص لترويج المواد المخدرة أو الإرهابية. الحيازة المستمرة لبرامج إلكترونية مخصصة لفك الشفرات والاختراق. الدخول غير المشروع إلى نظام معلوماتي والاستمرار في التواجد فيه دون وجه حق. بدء التقادم، لا يبدأ حساب مدة التقادم في هذه الجرائم إلا من اليوم التالي لإنهاء الحالة الإجرامية (كحجب الموقع، أو حذف البرامج، أو الخروج من النظام المخترق وإلغاء الوصول).
ج. معضلة "جرائم النشر الإلكتروني": هل هي وقتية أم مستمرة؟
تُعتبر هذه الإشكالية نقطة الخلاف القانوني الأبرز. إذا قام شخص بنشر مقال يتضمن سباً أو قذفاً أو إفشاءً لأسعار ومعلومات سرية على موقع إلكتروني أو منصة تواصل اجتماعي، وبقي هذا المقال متاحاً للعامة لسلسلة من السنوات:
الاتجاه الأول (فكرة الجريمة المستمرة): يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الجريمة تظل مستمرة طالما ظل المحتوى المكتوب متاحاً للمستخدمين وقابلاً للقراءة والتداول. وبناءً عليه، فإن إرادة الجاني تعتبر متجددة في كل لحظة يترك فيها المحتوى متاحاً، وبالتالي لا يبدأ تقادم الدعوى الجنائية إلا بعد إزالة المحتوى أو حجب الموقع.
الاتجاه الثاني (فكرة الجريمة الوقتية ذات الآثار المستمرة - وهو الاتجاه الراسخ قضاءً): يرى الشق الأغلب من الفقه الجنائي أن النشر الإلكتروني هو جريمة وقتية تنتهي بمجرد تمام فعل البث أو النشر لأول مرة، وما يليه من بقاء المقال متداولاً هو مجرد "استمرار لآثار الجريمة" وليس استمراراً للفعل الإجرامي ذاته. النتيجة المترتبة على الاتجاه الثاني يبدأ يسري التقادم من يوم رفع المحتوى وتأكيده على الشبكة لأول مرة، وليس من تاريخ إزالته. وتبرير ذلك أن القول بعكس ذلك يجعل الدعوى الجنائية غير قابلة للتقادم طالما ظل الموقع يعمل، وهو ما يخالف فلسفة المشرع الجنائي في وضع أمد محدد لسقوط الحق في العقاب.
الحلول التشريعية والتوصيات المستقبليّة
أمام هذه الإشكاليات المفهومية والعملية، لم تعد النصوص التقليدية في قانون الإجراءات الجنائية قادرة بمفردها على معالجة الخصوصية الرقمية. ولذلك اتجهت التشريعات الحديثة (مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات المصري رقم 175 لسنة 2018، والتشريعات الخليجية والأوروبية مثل اتفاقية بودابست للجرائم الإلكترونية) إلى إرساء قواعد خاصة:
إعادة تعريف التلبس الرقمي: تأطير مفهوم المعاينة الرقمية للضابط الفني، واعتبار الحفظ الاحتياطي للبيانات (Data Retention) أو ضبط حركة المرور الرقمية (Traffic Data) في التو واللحظة بمثابة قرائن معززة للضمانات بدلاً من التوسع غير المضبط في مفهوم التلبس.
التنظيم الخاص للتفتيش الرقمي: اشتراط الحصول على أمر قضائي مسبب للولوج إلى الأنظمة والبيانات، مع التمييز بين تفتيش العتاد المادي (Hardware) وتفتيش البيانات الرقمية (Digital Content).
حسم نقطة بدء التقادم بنصوص صريحة: التأكيد التشريعي على اعتبار جرائم النشر الرقمي والمحتوى من الجرائم الوقتية ذات الأثر الممتد لحماية المراكز القانونية من الأبدية الإجرائية، ما لم يقم الجاني بتعديل المحتوى أو تحديثه بفعل إيجابي جديد يُعد جريمة جديدة تبدأ معها مدة تقادم مستقلة. تستوجب الجريمة الإلكترونية إعادة نظر شاملة في المبادئ المستقرة في الإجراءات الجنائية. إن محاولة إسقاط مفهوم التلبس التقليدي بآلياته الحسية على الفضاء الرقمي تُخاطر إما بالتضحية بحريات الأفراد وحرمة بياناتهم، أو بإفلات الجناة من العقاب لغياب المعاينة المباشرة.
كما أن تحديد لحظة بدء تقادم الدعوى الجنائية يتطلب تمييزاً دقيقاً بين الفعل الإجرامي المتجدد بطبيعته، وبين الآثار الرقمية الساكنة المترتبة على فعل وقتي مكتمل. ولا مناص للمشرع الجنائي الحديث من التدخل بنصوص إجراءات رقمية خاصة تُوازن بدقة بين متطلبات العدالة الجنائية وفاعلية التتبع، وبين الحفاظ على الحقوق والحريات الرقمية للمواطنين.من الهام معرفة اراءكم .