المقدمة
يُعد الإثبات الجنائي في العصر الحديث علماً وفناً يتقاطع فيه القانون مع العلوم الفنية التطبيقية، ولا سيما في الجرائم التي تعتمد بطبيعتها على آثار مادية دقيقة، وعلى رأسها "جرائم تزوير المحررات". فالمحرر المزيف ليس مجرد ورقة تُطوى، بل هو كيان يحمل في طياته دلالات مادية وفنية يجب تمحيصها بدقة متناهية للوصول إلى الحقيقة المجردة. ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لـ "الدليل الفني" المتمثل غالباً في تقارير خبراء أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي.
غير أن هذا الدليل، على قداسته وحجته في الإثبات، يظل عرضة للخطأ، أو الأسوأ من ذلك: "العبث والتلاعب". ومن هنا ينشأ أحد أهم وأدق الدفوع الجنائية وأكثرها تأثيراً في مصير الدعوى، وهو "الدفع بالعبث بالدليل"، والذي يُشكل درعاً قانونياً حصيناً يذود به المتهم عن حريته في مواجهة أدلة قد يبدو ظاهرها قاطعاً ولكن باطنها يعاني من الخلل البنيوي والإجرائي.و هو ما سوف نتناوله في النقاط التالية:-
أولاً- طبيعة الإثبات في جرائم تزوير المحررات وأهمية الدليل الفني
تتطلب جرائم التزوير بنوعيها — المادي (بإحداث تغيير في محرر صحيح بطريقه الكشط، أو المحو، أو الإضافة، أو اصطناع محرر كامل نسب زوراً إلى غير موقعه) والمعنوي (بتغيير الحقيقة في الإقرارات أو البيانات التي أُعد المحرّر لإثباتها أثناء تحريره) — ركناً مادياً خاصاً يتمثل في تغيير الحقيقة، وقصداً جنائياً يظهر في نية استعمال المحرر فيما صُنِع من أجله واعتقاد صحته أو إيهام الآخرين بذلك.
ولأن مرتكبي هذه الجرائم غالباً ما يلجأون إلى السرية والاحترافية العالية لإخفاء آثار جريمتهم، فإن قاضي الموضوع لا يستطيع في كثير من الأحيان الاعتماد على الشهادات وحدها، بل يلتزم بالاستعانة بأهل الخبرة الفنية المتخصصة. ويُعد "خبير أبحاث التزييف والتزوير" هو العين التي يرى بها القاضي ما يخفى على البصيرة العادية؛ فهو الذي يفحص نوع الحبر، وتتابع الخطوط، والتوقيعات، والآثار الناتجة عن أجهزة الطباعة المختلفة أو التلاعب الرقمي المستحدث.
ولكن، لكي يحافظ هذا الدليل الفني على قيمته القانونية ومشروعيته، يجب أن يمر بسلسلة إجرائية سليمة ومنضبطة، تبدأ من لحظة الضبط والتفتيش وتحريز المستند، مروراً بحفظه في النيابة العامة، وصولاً إلى فحصه بمختبرات الطب الشرعي. فإذا اختلت هذه السلسلة أو شابها شائبة من شأنها المساس بسلامة المستند، فإن الدليل ينهار من أساسه وتفقد التقارير الفنية قيمتها الإثباتية.
ثانياً- مفهوم "العبث بالدليل" وصوره العملية في قضايا التزوير
يُقصد بالعبث بالدليل في جرائم التزوير: كل فعل إيجابي أو سلبي، عمدي أو غير عمدي، من شأنه تغيير معالم المحرر محل الاتهام، أو إفساد طابعه الفني والطبيعي الأصلي، أو الإضرار بسلامة الحرز وحفظه بما يحول دون الفحص الفني السليم، أو يغير من نتيجة هذا الفحص لصالح أو ضد أحد أطراف الدعوى.ويمكن رصد أبرز صور هذا العبث في الواقع العملي والقضائي عبر النطاقات التالية:
1. التلاعب بالمحرر ذاته بعد ضبطه
قد يتعرض المستند المضبوط لأفعال مادية تُغير من خصائصه الجوهرية، مثل كثرة التداول باليد دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايته، أو محاولة بعض الجهات (عن جهل أو سوء إدراك) إعادة فحص الخطوط أو تتبعها بالقلم، أو تعريض المستند لمواد كيميائية أو ظروف تخزين سيئة (كالرطوبة والحرارة العالية) تؤدي إلى تلف الألياف الورقية أو تحلل الحبر، مما يصعب أو يستحيل معه الجزم بتاريخ الكتابة أو مصدرها الفعلي.
2. القصور أو الإخلال في "سلسلة الحفظ والتداول"
تُعد سلسلة الحفظ الضمانة القانونية الأساسية لسلامة الدليل. فإذا ثبت أن المحرّر ظل لفترة خارج الحرز الرسمي، أو تنقل بين أيدي جهات غير مختصة ودون محاضر إثبات دقيقة لتسليمه وتسلّمه، أو أن أختام الحرز تعرضت للفض أو التمزيق غير المشروع، فإن الباب يفتح على مصراعيه للطعن بالبطلان وبوجود شبهة العبث.
3. التلوث المادي أو الفني للعينة
في قضايا التزوير الحديثة التي ترتبط بالمحررات الإلكترونية أو المستندات الرقمية المذيلة بتوقيعات رقمية، قد يؤدي سوء الاستخراج أو التخزين الإلكتروني إلى تلف البيانات الوصفية أو فقدان السجلات الدالة على مصدر التعديل، وهو ما يُعد صورة معاصرة للعبث الفني بالدليل الرقمي.
4. العبث المعنوي أو توجيه الفحص
وإن كان لا يُعد عبثاً مادياً مباشراً بالمستند، إلا أن العبث بالدليل الفني قد يأخذ طابعاً معنوياً من خلال حجب بعض المستندات المقارنة الصحيحة عن الخبير، أو تقديم نماذج توقيعات مشكوك في سلامتها باعتبارها نماذج صحيحة للمقارنة، مما يضلل التقرير الفني ويجعله مبنياً على مقدمات خاطئة تنتج عنها نتائج مجافية للحقيقة.
ثالثاً- القيمة القانونية والأثر الإجرائي للدفع بالعبث بالدليل
يمثل الدفع بالعبث بالدليل طعناً مباشراً في مشروعية وحجية الدليل الفني أمام المحاكم الجنائية. ولما كان الأصل في الإثبات الجنائي أن الدليل متى سقط سقطت معه العقيدة التي بناها القاضي عليه، فإن قبول هذا الدفع أو ثبوته يترتب عليه آثار قانونية بالغة الأهمية:
1- بطلان تقرير الخبير: يترتب على إثبات العبث بالمستند أو الحرز بطرق غير مشروعة بطلان التقرير الفني الصادر عن مصلحة الطب الشرعي، لابتنائه على دليل مادي فسد أو تشوبه الريبة والشك.
2- إثارة الشك النافي لليقين: الأحكام الجنائية تُبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين والتبرير. والدفع بالعبث بالدليل يزرع "الشك المعقول" في عقيدة القاضي، متى ثبت أن المحرّر لم يحظ بالعناية القانونية والفنية التي تضمن سلامته. وفي هذه الحالة، تطبق القاعدة الأصولية الراسخة: "الشك يُفسر لصالح المتهم".
3- إعادة تشكيل اللجان الفنية: كاستجابة لهذا الدفع، غالباً ما يلجأ قاضي الموضوع إلى الأمر بندب لجنة ثلاثية أو خماسية من خبراء أبحاث التزييف والتزوير لبيان ما إذا كان المحرّر قد تعرض للعبث، وما إذا كان من الممكن استخلاص نتيجة فنية قطعية رغم ذلك الشك المطروح.
رابعاً-شروط قبول الدفع وضوابطه أمام محاكم الموضوع
لا يكفي إبداء الدفع بالعبث بالدليل كقول مرسل أو دفع عام يفتقر إلى السند الواقعي؛ فمحاكم الموضوع تتطلب لكي يُعتمد بهذا الدفع شروطاً صارمة لضمان عدم التعسف في تعطيل سير العدالة. ومن أبرز هذه الضوابط:
1- الجدية والتفصيل: أن يُبيّن الدفاع موطن العبث بالتحديد (هل هو في الحرز؟ هل هو في تاريخ الضبط؟ هل هو في فقدان بعض أجزاء المستند؟).
2- ارتباط العبث بالنتيجة: أن يربط الدفاع بين هذا العبث وبين النتيجة التي انتهى إليها تقرير الطب الشرعي، بحيث يثبت أن التلف أو التلاعب المزعوم كان له تأثير مباشر ومؤثر على النتيجة الفنية.
3- الاستناد إلى الأوراق: أن يستند الطاعن إلى محضر الجلسات، أو أوراق التحقيقات، أو تقارير الخبراء الاستشارية التي تثبت التراخي أو الإهمال في حفظ الحرز منذ لحظة ضبطه وحتى تسليمه للجهة الفنية.
ملاحظة فقهية: استقر القضاء الجنائي على أن إهمال الجهات الأمنية في الحفاظ على الحرازات بالشكل الذي يمنع العبث بها، يلقي بظلال كثيفة من الشك على التقارير الفنية المترتبة عليها، مما يجعل الدفع بالبطلان جديراً بالقبول.
الخاتمة
يظل "الدفع بالعبث بالدليل" في جرائم تزوير المحررات هو الحصن المنيع الذي يلجأ إليه الدفاع لحماية المتهم من مخاطر الخطأ البشري أو التلاعب المتعمد في الأدلة المادية. إن المحررات هي وثائق تعبر عن الائتمان العام والمعاملات الإنسانية والتجارية، وحمايتها تقتضي تجريم التزوير بكل صوره وأشكاله، ولكن هذه الحماية لا تكتمل إلا بضمانات صارمة تحرس الدليل الجنائي نفسه من أي عبث أو تلويث.
وحين تتقاعس منظومة الحفظ أو يطال الدليل الفني ما يشين سلامته، ينهض القانون ليقول كلمته الفصل بكل حسم: "لا إثبات بغير دليل صحيح، ولا إدانة مع قيام الشك والريبة"، وهو ما يعكس عمق العدالة الإجرائية في تحقيق التوازن الدقيق بين مصلحة المجتمع في العقاب ومصلحة الفرد في حماية حريته وصون حقوقه الأساسية. برجاء ترك تعليق على هذا الموضوع سواء تعليقا ايجابياً أو سلبياً ، للوقوف على مدى انتفاع القارئ بهذا المقال .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق