الثلاثاء، 20 مايو 2025

ثغرات القانون.. سلاح المحامي الماهر في ساحات المحاكم الجنائية (الجزء الثاني)

 ثغرات القانون.. سلاح المحامي الماهر في ساحات المحاكم الجنائية (الجزء الثاني)

  عود على بدء ،في الجزء الأول من هذا البحث ، تطرقنا الى ماهية الثغرات القانونية ، و الى أهمية هذه الثغرات للمحامي الماهر ، و كيف تشكل هذه الثغرات القانونية فارقاً في الدفاع الناجح، الفارق بين أنواع الثغرات القانونية ـ و أسباب هذه الثغرات ، حان الوقت في الجزء الثاني الى تناول كيفية اكتشاف الثغرات القانونية. و بذلك نكون قد اوفينا في الجزء الثاني بعض عناصر هذا الموضوع فيما بخص القراءة الدقيقة لنصوص القانون ، و في أجزاء لاحقة  تناول باقي التفاصيل لضيق مساحة الكتابة في المدونة 

 كيفية اكتشاف الثغرات القانونية

   قراءة دقيقة للنصوص القانونية، مراجعة شاملة لمحاضر الشرطة والتحقيقات، تحليل شهادات الشهود والادعاءات، التعمق في الإجراءات والامتثال القانوني ،الاستفادة من سوابق محكمة النقض، هذا الاجمال و إليك أهدي التفصيلات: ستناول هنا موضع القراءة الدقيقة للنصوص القانونية في هذا الجزء .

أولاً-  قراءة دقيقة للنصوص القانونية

   التمعّن في ألفاظ النصوص القانونية، وتحليل بنيتها اللغوية والاصطلاحية، وربطها بالسياق التشريعي والقضائي، مع فهم مقاصد المشرّع وغايات النص، دون الاكتفاء بالمعنى الظاهري أو التفسيرات السطحية. وهذا يشمل عدة جوانب:

1- تحليل الألفاظ: التفرقة بين الكلمات المتقاربة (مثل "يجوز" و"يجب"، أو "يُعاقب" و"يجوز الحكم بـ"). مثال ذلك: الفرق بين "يجوز" و"يجب"، النص: "يجوز للمحكمة أن تأمر بإحالة الدعوى إلى التحقيق إذا رأت ضرورة لذلك." القراءة الدقيقة: كلمة "يجوز" تعني أن الأمر تقديري للمحكمة، وليست مُلزمة بإحالة الدعوى، حتى لو طلب أحد الأطراف ذلك. أما القراءة غير الدقيقة فقد توحي بأن المحكمة مُلزمة بالإحالة في كل حالة يوجد فيها خلاف.

2-فهم النحو القانوني: الترتيب النحوي للجمل قد يُغيّر المعنى القانوني (مثلاً: تقديم الشرط أو حذف أداة).مثال: فهم موقع الجملة الشرطية وتأثيرها على المعنى القانوني، النص القانوني: "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من حاز سلاحًا ناريًا غير مرخص، إذا ارتكب به جريمة." القراءة السطحية (الضعيفة نحويًا): يفهم القارئ أن العقوبة تطبق فقط إذا استُخدم السلاح في جريمة. هذا الفهم خاطئ. القراءة النحوية القانونية الدقيقة: دعنا نحلل تركيب الجملة نحويًا: الجملة الأصلية: "يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من حاز سلاحًا ناريًا غير مرخص" ← هذه الجملة مستقلة بذاتها ومكتملة المعنى. الجملة التالية: "إذا ارتكب به جريمة" هي جملة شرطية مضافة، تُشدد العقوبة أو تُضيف أثرًا إضافيًا، لكنها لا تقيد العقوبة الأصلية. أي أن: الحيازة وحدها كافية للعقوبة، واستخدام السلاح في جريمة يزيد من خطورة الفعل، لكنه ليس شرطًا لتطبيق العقوبة. النتيجة القانونية: مجرد الحيازة لسلاح غير مرخص يُعاقب عليها. ارتكاب جريمة باستخدامه قد يؤدي إلى تشديد العقوبة أو تطبيق وصف جنائي أشد (مثل استعمال السلاح في القتل أو السرقة).

3- اكتشاف الاستثناءات: كثير من النصوص تحتوي على استثناءات أو شروط ضمنية لا تُفهم إلا بالربط بين مواد متعددة. مثال ذلك: فهم الاستثناء في النص، النص: "لا تُقبل دعوى إلغاء القرار الإداري بعد مرور ستين يومًا من تاريخ العلم به، ما لم يكن القرار معدومًا." القراءة الدقيقة: النص يُحدد ميعادًا صارمًا (60 يومًا)، لكن يستثني القرار المعدوم لأنه لا يُعتد به أصلًا في نظر القانون، وبالتالي لا يسري عليه الميعاد. القارئ غير المدقق قد يظن أن كل قرار إداري يسقط الطعن فيه بعد 60 يومًا، دون أن يُفرّق بين القرار الباطل والمعدوم.

4 -الرجوع إلى الأعمال التحضيرية والمذكرات الإيضاحية: لفهم نية المشرّع الأصلية ومقاصده من النص. المثال: تفسير عبارة "لأسباب تتعلق بالأمن العام"، النص القانوني: "يجوز لوزير الداخلية إصدار قرار بإبعاد الأجنبي عن البلاد لأسباب تتعلق بالأمن العام."، الإشكالية القانونية: العبارة "لأسباب تتعلق بالأمن العام" غامضة وفضفاضة. فهل تشمل مجرد الاشتباه؟ أم يجب وجود خطر حقيقي ومثبت؟، هنا المحكمة بحاجة إلى فهم نية المشرّع عند صياغة هذه العبارة. بالرجوع إلى الأعمال التحضيرية: في هذه الحالة، قد يلجأ القاضي أو المحامي إلى: مضابط جلسات مجلس النواب عند مناقشة مشروع القانون. مذكرة المشروع التفسيرية أو الإيضاحية التي قدمتها الحكومة. تقارير اللجان التشريعية التي ناقشت القانون قبل إقراره. ما الذي قد تجده في الأعمال التحضيرية؟،قد ترد عبارات مثل: "ويقصد المشرّع من عبارة (الأمن العام) تلك الحالات التي يُشكل فيها وجود الأجنبي تهديدًا حقيقيًا للنظام العام أو الأمن القومي، مثل الانتماء لتنظيمات متطرفة، أو المشاركة في أعمال تجسس، وليس مجرد الاشتباه العابر أو الانتماء السياسي."، الأثر القانوني: بناءً على هذا التفسير، يمكن لمحكمة القضاء الإداري أن تقرر: أن الإبعاد يجب أن يكون مبنيًا على وقائع موضوعية محددة تشكل تهديدًا فعليًا، لا على تقدير إداري مطلق. وبالتالي، إذا تم إبعاد أجنبي فقط بسبب انتمائه الفكري، فيمكن الطعن في القرار لمخالفته لمبدأ المشروعية.

   الرجوع إلى الأعمال التحضيرية يسمح بتحديد نية المشرّع الحقيقيّة، خاصة عندما يكون النص غامضًا أو عامًا. وهذا يساعد القضاة والمحامين في تضييق أو توسيع التفسير بحسب مقاصد المشرّع، لا بحسب الفهم الظاهري للنص فقط.

4- الربط بين النصوص وبعضها: إذ إن كثيرًا من النصوص لا تُفهم بمعزل عن غيرها (ما يُعرف بـ"التفسير المنسجم").مثال: التفسير المنسجم بين النصوص، المادة الأولى: "لا يجوز القبض على أي شخص إلا بأمر من الجهة المختصة." المادة الثانية: "يحق لرجل الشرطة القبض على المتلبس بالجريمة دون إذن."القراءة الدقيقة: يجب الربط بين المادتين، فالأصل أن القبض يحتاج إذن، لكن هناك استثناء في حالة التلبس. القراءة السطحية قد تعتبر أن القبض ممنوع تمامًا دون إذن، حتى في حالة التلبس.

5 - التمييز بين النصوص الآمرة والمكمّلة: فبعض القواعد قابلة للتعديل باتفاق الأطراف، وأخرى لا يجوز مخالفتها.مثالًا من قانون الضرائب يوضح التمييز بين النصوص الآمرة والنصوص المكملة:  السياق: قانون الضريبة على الدخل المصري (القانون رقم 91 لسنة 2005)، أولًا: نص آمر – لا يجوز مخالفته المادة 8 من القانون: "تُفرض ضريبة سنوية على صافي دخل الأشخاص الطبيعيين المقيمين وغير المقيمين بالنسبة لدخولهم المحققة في مصر." تحليل: هذا نص آمر لأنه يُحدد بشكل قطعي الالتزام الضريبي ولا يجوز الاتفاق على إعفاء شخص من الضريبة بمجرد إرادته أو إرادة الممول. لا يجوز لطرفين أن يعقدا اتفاقًا يعفي أحدهما من الالتزام القانوني بدفع الضريبة، لأن ذلك يُخالف النظام العام. ثانيًا: نص مكمل – يمكن الاتفاق على خلافه المادة 60/1 من اللائحة التنفيذية لقانون الضرائب: "يجب على الممول أن يُمسك دفاتر حسابات منتظمة إذا تجاوز حجم أعماله مبلغ 500 ألف جنيه في السنة." تحليل: هذا النص يُعتبر مكملًا في بعض الحالات. فإذا كان حجم أعمال الممول أقل من الحد المحدد، فله الخيار في مسك الدفاتر أو لا. ويمكنه أن يختار الطريقة المبسطة للتقدير بدلاً من الحسابات المنتظمة، وهذا يكون بناء على اختيار الممول وليس إلزامًا دائمًا. 

6 - مراعاة السوابق القضائية: فقراءة دقيقة تشمل أيضًا ما استقر عليه القضاء في تفسير تلك النصوص. والاعتماد على الأحكام السابقة الصادرة من المحاكم العليا (مثل محكمة النقض أو المحكمة الإدارية العليا) في فهم النصوص القانونية، أو تفسيرها، أو تطبيقها على الوقائع المشابهة، وذلك بهدف تحقيق الاتساق القضائي، وضمان الاستقرار القانوني. شرح مبسط: القاضي عندما ينظر قضية، لا يبدأ من الصفر دائمًا. بل يرجع إلى أحكام سابقة صدرت في نفس الموضوع أو موضوع مشابه، و"يراعيها" حتى لا يصدر حكمًا متناقضًا مع ما استقر عليه القضاء. وهذا لا يعني أن السوابق القضائية ملزمة دائمًا، لكنها ذات قوة إقناعية عالية، خصوصًا إذا صدرت من محكمة النقض أو المحكمة الإدارية العليا. أمثلة واقعية: مثال : من القضاء الجنائي – تفتيش غير مشروع، النص القانوني: المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية:"لا يجوز القبض على أي إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة." السؤال: ما الضابط الذي يجعل التفتيش قانونيًا؟المرجعية القضائية: أصدرت محكمة النقض العديد من الأحكام التي قررت أن: "التفتيش لا يكون مشروعًا إلا إذا صدر بناءً على إذن مسبق من النيابة العامة، ومحدد زمانًا ومكانًا."  التفسير: عند النظر في مشروعية تفتيش معين، يجب مراعاة هذا التفسير القضائي المستقر، لا مجرد النص العام. القراءة الدقيقة للنص القانوني تعني التفكير كالمشرّع، والتأمل كالقاضي، والاستنتاج كمحامٍ محترف، لا يمرّ على النص مرور الكرام، بل يُعيد قراءته، ويُشكك في ظاهر معناه، ويُعيد تركيبه ذهنيًا في ضوء الوقائع والعدالة.

   بعد أن مهدنا في الجزء الأول لهذا البحث الطريق ببيان ماهية الثغرات القانونية، وأوضحنا قيمتها الجوهرية للمحامي المتمرّس، ومدى ما تُحدثه من فرق في بناء دفاع ناجح، وفرقنا بين أنواعها وأسباب نشأتها، فإننا في هذا الجزء الثاني قد خطونا خطوة أعمق نحو لبّ الممارسة المهنية، حيث عرضنا إحدى أهم أدوات اكتشاف هذه الثغرات، ألا وهي القراءة الدقيقة للنصوص القانونية.

   لقد تبيّن لنا أن القانون ليس مجرد كلمات مطبوعة على ورق، بل هو نسيج حيّ من المعاني والدلالات، يتطلب مهارة في تفكيك ألفاظه، وتذوق صياغته، وربطه بسياقه، ومقاصده، وتفسيراته القضائية. فالفرق بين "يجوز" و"يجب"، أو بين "الشرط" و"الاستثناء"، قد يكون الفارق بين إدانة وبراءة، أو بين حكم عادل وآخر ظالم. كما اتضح لنا أن الاجتهاد لا يقتصر على القاضي، بل يبتدئ عند المحامي حين يتعامل مع النص القانوني ككائن حيّ، لا كقيد جامد.

   وقد اقتصرنا في هذا الجزء على محور واحد من محاور اكتشاف الثغرات، نظرًا لطبيعة النشر في المدونة، على أن نُكمل — في أجزاء لاحقة — بقية الأدوات، مثل مراجعة المحاضر، تحليل الأقوال، التعمق في الإجراءات، وتتبع السوابق القضائية بعيون الباحث لا الناقل.

   عودٌ على بدء: فكما كانت بداية هذا البحث دعوة لفهم الثغرة القانونية كمجال فنّي يتقنه المحامي لا كمجرد مصادفة، فإن ختام هذا الجزء يؤكد أن هذا الإتقان يبدأ من القراءة الواعية للنص، لا من حفظه. تلك القراءة التي تُمارس بوعي المشرّع، وبُعد نظر القاضي، وحنكة المحامي. و صدق من قال علمنا هذا رأيي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه (أبو حنيفة عليه رحمة الله ).

 و الله الموفق 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...