في حَضْرةِ النُّبُوَّة: حِوارٌ مُتَخيَّلٌ مَعَ الرَّسولِ ﷺ في زَمَنِ الشَّتَاتِ والنَّوازِل
نعيشُ اليومَ في عالَمٍ يَموجُ بالفِتَن، حَارَتْ فيه العقولُ، وتَشابَكَتْ الخُيوطُ، وتَكالَبَتْ فيه التَّحدياتُ على الأُمَّةِ من كُلِّ صَوْب. في لَحَظاتِ الانْكِسارِ الرُّوحيِّ والهَزيمةِ النَّفْسيَّةِ الّتي قد تَعْتَري المَرْءَ وهو يُتابعُ مَآسي واقِعِنا المُعاصر، يَفِرُّ القَلْبُ تِلْقائيًّا إلى مَنْبَعِ النُّورِ الأوَّل.
ماذا لو فُتِحَ بابٌ من أبوابِ الغَيْبِ والزَّمَن، ووَجَدْنا أَنْفُسَنا وجْهًا لِوَجْهٍ أمامَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، ومُخْرِجِ النَّاسِ من الظُّلُماتِ إلى النُّور، سَيِّدِنا مُحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ كَيْفَ سَيَنْظُرُ إلى شَتَاتِنا؟ بِمَاذا سَيُوصي القابِضينَ على الجَمْرِ في هذا العَصْر؟ وكَيْفَ سَيُفَكِّكُ بِمَنْهَجِهِ النَّبَوِيِّ الحَكيمِ عُقَدَنا النَّفْسيَّةَ والاجْتِماعيَّةَ والسِّياسيَّة؟
هذا المَقالُ ليس مُجَرَّدَ سَرْدٍ عاطِفِيّ، بَلْ هو مُحاوَلَةٌ لاسْتِنْطاقِ النُّصُوصِ والمَقاصِدِ النَّبَوِيَّةِ وتَنْزيلِها على واقِعِنا الرَّاهِن، عَبْرَ حِوارٍ تَعْبيرِيٍّ يَسْتَلْهِمُ رُوحَ السُّنَّةِ وتَوْجِيهاتِها.
المَشْهَدُ الأوَّل: هَيْبَةُ اللِّقاءِ وعَيْنُ المُرَبِّي
تَخَيَّلْتُهُ جَالِسًا في طُمأنينَتِهِ المَعْهودَة، يَعْلُوهُ الوَقارُ وتَفِيضُ من وجْهِهِ الرَّحْمَةُ الّتي وَصَفَها اللهُ تعالى بِقَوْلِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. دَخَلْتُ عليهِ حامِلًا أَثْقالَ هُمُومِ العَصْرِ؛ مَشَاهِدَ الدِّماءِ، صُورَ الأطْفالِ المَظْلومين، وتَقْصِيرَ الأُمَّةِ وتَفَرُّقَها، فَبَدَأْتُ حَدِيثي بِنَبْرَةٍ يَسْكُنُها الألَم:
السَّائِل: "يا رَسولَ الله، لو رَأيْتَ حالَنا اليوم! لَقَدْ تَفَرَّقَتْ كَلِمَتُنا، وضَعُفَتْ شَوْكَتُنا، وتَكالَبَتْ عَلَينا الأُمَمُ كَمَا تَتَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها. نَعيشُ فِتَنًا يَرِقُّ بَعْضُها لِبَعْض، ويُمْسِي فيها الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُصْبِحُ كافِرًا. لَقَدْ تَمَكَّنَ اليَأْسُ من قُلوبِ الكَثيرين، وتَبَدَّدَتْ الرُّؤْيَةُ الاصْطِلاحِيَّةُ وسطَ رُكامِ الهَزائِمِ النَّفْسيَّةِ والمَادِّيَّة. بِمَاذا تَبْدَأُ مَعَنا لو كُنْتَ بَيْنَنا؟"
نَظَرَ إلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ بِنَظْرَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الحَزَنِ على أحْوالِ أُمَّتِهِ، وبَيْنَ اليَقينِ المُطْلَقِ بِنَصْرِ اللهِ ومَوْعُودِه. لَمْ يَكُنْ مُتَفاجِئًا، فَقَدْ تَرَكَنا على المَحَجَّةِ البَيْضاء، وأَخْبَرَنا بِسُنَنِ التَّاريخِ قَبْلَ قُرُون.
الرَّسولُ ﷺ (بِصَوْتٍ هادِئٍ يَحْمِلُ عُمْقَ اليَقين): "يَا عَبْدَ الله، هَوِّنْ عَلَيْك. إِنَّ رَبَّ العَالَمِينَ لَا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ أَحَدِكُمْ. أَلَمْ تَقْرَؤُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾؟ إِنَّ الأَزَمَاتِ لَيْسَتْ نِهَايَةَ التَّارِيخِ، بَلْ هِيَ مَحَطَّاتُ التَّمْحِيصِ الكُبْرَى. إِنَّ أَوَّلَ مَا أَنْصَحُكُمْ بِهِ هُوَ أَنْ تَنْزِعُوا الوَهْنَ مِنْ قُلُوبِكُمْ؛ ذَاكَ الَّذِي حَذَّرْتُكُمْ مِنْهُ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْت. إِذَا أَصْلَحْتُمُ النُّفُوسَ، وَصَحَّحْتُمُ التَّصَوُّرَاتِ، بَدَأَ طَرِيقُ النَّصْر."
المَشْهَدُ الثَّاني: تَفْكِيكُ الأَزَمَاتِ بِمَنْهَجِ "الرُّؤْيَةِ التَّلِسْكُوبِيَّةِ" النَّبَوِيَّة
عِنْدَما نَتَأَمَّلُ مَنْهَجَ النَّبِيِّ ﷺ في إدارةِ الأَزَمات، نَجِدُ أنَّهُ كانَ يَمْتَلِكُ أَعْلَى نَمُوذَجٍ لِمَا يُمْكِنُ أنْ نُسَمِّيَهُ اليَوْمَ "الرُّؤْيَةَ التَّلِسْكُوبِيَّة" (Telescopic Thinking)؛ وهو المَنْهَجُ الّذي لا يَقِفُ عِنْدَ التَّفاصيلِ الجُزْئيَّةِ الضَّيِّقَةِ لِلأَزْمَةِ الرَّاهِنَة، بَلْ يَنْظُرُ إلَيْها من خِلالِ أُفُقٍ اسْتْراتِيجِيٍّ بَعِيدِ المَدَى، يَرْبِطُ الأَسْبابَ بالمُسَبِّبات، ويَرَى البِشَارَةَ في بَطْنِ المِحْنَة.
السَّائِل: "يا رَسولَ الله، إنَّ شَبَابَنا اليَوْمَ غَارِقٌ في التَّفاصيلِ اليَوْمِيَّةِ الكَئِيبَة. نَرَى نَكَبَاتٍ في فِلَسْطِينَ، واضْطِرَابَاتٍ اقْتِصَادِيَّةً وفِكْرِيَّةً في مِصْرَ وسَائِرِ بِلادِ المُسْلِمِين. نَنْظُرُ تَحْتَ أَقْدَامِنا فَلا نَرَى إلَّا الضَّبَاب. كَيْفَ نُعِيدُ بِناءَ عَقْلِيَّتِنا لِنَرَى المَشْهَدَ بِكُلِّيَّتِه؟"
الرَّسولُ ﷺ: "تَذَكَّرُوا يَوْمَ الأَحْزَابِ (الخَنْدَق). كَيْفَ كَانَ حَالُنَا؟ كَانَ الخَوْفُ مُحِيطًا بِنَا، وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ، وَظَنَّ النَّاسُ بِاللهِ الظُّنُونَا. لَمْ نَكُنْ نَقْدِرُ أَنْ نَقْضِيَ حَاجَتَنَا مِنْ شِدَّةِ الحِصَار. لَكِنَّنِي فِي وَسَطِ ذَلِكَ الظَّلَام، وَأَنَا أَضْرِبُ الصَّخْرَةَ، كُنْتُ أَقُولُ لِأَصْحَابِي: 'اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ شَامِ... اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِس'.
لَمْ أَكُنْ أَنْظُرُ إِلَى قِلَّةِ الحِيلَةِ الرَّاهِنَة، بَلْ إِلَى مَوْعُودِ اللهِ المَمْدُودِ فِي الغَيْب. إِنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى الوَاقِعِ نَظْرَةً كُلِّيَّةً شَامِلَة. لَا تَجْعَلُوا الهَزِيمَةَ المَوْضِعِيَّةَ تُعْمِيكُمْ عَنِ السُّنَنِ الكَوْنِيَّة. السُّنَنُ تَقُولُ إِنَّ البَاطِلَ مُنْتَفِخٌ لَكِنَّهُ زَهُوق، وَإِنَّ الحَقَّ قَدْ يَضْعُفُ لَكِنَّهُ لَا يَمُوت. ارْفَعُوا أَبْصَارَكُمْ إِلَى الأُفُقِ البَعِيد، وَخَطِّطُوا لِأَجْيَالِكُمْ القَادِمَة، وَلَا تَسْتَعْجِلُوا الثَّمَرَةَ قَبْلَ نُضْجِهَا."
المَشْهَدُ الثَّالِث: العَدالَةُ التَّشْريعِيَّةُ وسِيادَةُ القانُون
بِصِفَتِي بَاحِثًا في القانُونِ والعَدالَة، كانَ لا بُدَّ لي أنْ أَسْأَلَهُ عن أزْمَةِ المَنْظُوماتِ القانُونِيَّةِ والأَخْلاقِيَّةِ في عالَمِنا المَعاصر، حَيْثُ يُطَبَّقُ القانُونُ على الضَّعِيفِ ويَفْلِتُ منه القَوِيّ، وحَيْثُ غَابَتْ رُوحُ العَدالَةِ وراءَ نُصُوصٍ جَامِدَةٍ أو مُسَيَّسَة.
السَّائِل: "يا رَسولَ الله، نُعاني اليومَ من أزْمَةِ عَدالَةٍ حادَّة. القَوانينُ الدَّوْلِيَّةُ كَيْلُها بِمِكْيالَيْن، والمُؤَسَّساتُ الّتي أُقِيمَتْ لِحِفْظِ السَّلامِ أَصْبَحَتْ أَدَوَاتٍ لِحِمايَةِ الظَّالِم. حتَّى داخِلَ مُجْتَمَعاتِنا، يَشْكُو النَّاسُ من ضَياعِ الحُقوقِ وتَفَشِّي المَحْسُوبِيَّة. كَيْفَ نَقْلِبُ هَذِهِ المَعادَلَة؟"
الرَّسولُ ﷺ (بِحَزْمٍ وعَدالَةٍ مُطْلَقَة): "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدّ! وَايْمُ اللهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا.
يَا أَهْلَ القَانُونِ وَالقَضَاءِ، وَيَا أَهْلَ الحُكْم: إِنَّ العَدْلَ هُوَ أَسَاسُ المُلْك، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى. لَا قِيمَةَ لِنُصُوصٍ كُتِبَتْ عَلَى الوَرَقِ إِذَا لَمْ تَحْمِ الضَّعِيفَ مِنَ القَوِيّ. إِنَّ الفَسَادَ التَّشْرِيعِيَّ وَالقَضَائِيَّ هُوَ إِيذَانٌ بِخَرَابِ العُمْرَان. أَقِيمُوا العَدْلَ فِي بُيُوتِكُمْ، وَفِي مَحَاكِمِكُمْ، وَفِي مُؤَسَّسَاتِكُمْ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِم. إِذَا ضَاعَتِ الأَمَانَةُ، وَوُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرُوا السَّاعَة."
المَشْهَدُ الرَّابِع: أزْمَةُ الهُوِيَّةِ والأَخْلاقِ في عَصْرِ الرَّقْمَنَةِ والذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ
انْتَقَلَ الحِوارُ بَعْدَ ذلكَ إلى التَّحَدِّي الأَكْبَرِ الّذي يُواجِهُهُ الإِنْسانُ المُعاصر؛ عَصْرِ الفَضاءِ الرَّقْمِيِّ المَفْتُوح، والذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، والسِّيولَةِ الأَخْلاقِيَّة، وحَالَةِ التَّلَصُّصِ الجَدِيدَةِ والتَّجَسُّسِ الرَّقْمِيِّ (ما يُشْبِهُ ظَواهِرَ التَّلَبُّسِ الحَدِيثَةِ أو الفِعْلِ الفَاضِحِ الرَّقْمِيّ)، والتَّحَوُّلِ في طَبِيعَةِ الجَرِيمَة.
السَّائِل: "يا رَسولَ الله، لَقَدْ اتَّسَعَ الفَضاءُ وافْتُرِضَ العالَم. أَصْبَحَ شَبَابُنا يَعِيشُونَ في عَوالِمَ افْتِراضِيَّةٍ تَسْلِبُهُمْ هُوِيَّتَهُم. تَحَوَّلَتْ الجَرِيمَةُ إلى جَرِيمَةٍ سِيبِرَانِيَّةٍ (إلِكْترونِيَّة)، وتَفَشَّى هَتْكُ الأَعْراضِ والابْتِزازُ خَلْفَ الشَّاشات، وضَاعَتْ الحُرُماتُ النَّفْسيَّةُ والاجْتِماعيَّة. كَيْفَ نَحْمِي القِيَمَ في زَمَنِ السِّيولَة؟"
الرَّسولُ ﷺ: "الأَخْلَاقُ لَا تَتَجَزَّأُ، وَلَا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الأَدَوَات. إِنَّ الَّذِي يَسْرِقُ أَوْ يَفْجُرُ أَوْ يَغْتَابُ خَلْفَ شَاشَةٍ صَغِيرَةٍ هُوَ كَمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَانِيَةً، بَلْ أَقْبَحُ؛ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَخْفِي مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفِي مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُ.
أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: 'اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَن'؟ 'حَيْثُمَا كُنْتَ' تَشْمَلُ وَاقِعَكُمْ المَادِّيَّ وَافْتِرَاضَكُمْ الرَّقْمِيّ. إِنَّ التَّطَوُّرَ العِلْمِيَّ هُوَ قُوَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ إِذَا اسْتَخْدَمَهُ فِي بِنَاءِ الأَرْضِ وَإِعْلَاءِ الحَقّ، وَهُوَ وَبَالٌ إِذَا صَارَ أَدَاةً لِهَدْمِ الإِنْسَانِيَّة. اجْعَلُوا مِنْ هَذِهِ الأَدَوَاتِ ثُغُورًا لِنَشْرِ الخَيْرِ وَالعِلْمِ الرَّصِين، وَلَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا."
المَشْهَدُ الخَامِس: الإِنْسانُ المِصْرِيُّ وبِناءُ الشَّخْصِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ والأُمَمِيَّة
لَمْ يَكُنْ لِيَغِيبَ عن الحِوارِ طَبِيعَةُ الشَّخْصِيَّةِ النَّفْسيَّةِ والاجْتِماعيَّةِ لِلشُّعُوبِ الّتي تَحْمِلُ عِبْءَ التَّغْيِير، وبِالأَخَصِّ المِنْطَقَةُ المَرْكَزِيَّةُ في قَلْبِ العالَمِ الإسْلامِيّ (مِصْر)، الّتي خَصَّها النَّبِيُّ ﷺ بِوَصِيَّةٍ تاريخِيَّة.
السَّائِل: "يا رَسولَ الله، إنَّكَ أَوْصَيْتَ بِمِصْرَ خَيْرًا، وقُلْتَ إنَّ أَهْلَها في رِباطٍ إلى يَوْمِ القِيامَة. واليوم، يَمُرُّ الإِنْسانُ المِصْرِيُّ والعَرَبِيُّ بِتَحَوُّلاتٍ نَفْسيَّةٍ واجْتِماعيَّةٍ عَمِيقَة، بَيْنَ طَبائِعَ إيجابِيَّةٍ أَصِيلَةٍ من التَّكافُلِ والشَّهامَة، وبَيْنَ آفَاتٍ طَارِئَةٍ من السَّلْبِيَّةِ والتَّواكُلِ أو الجَدَلِ العَقِيم. كَيْفَ نُعِيدُ صِياغَةَ الشَّخْصِيَّةِ لِتَكُونَ أَهْلًا لِلرِّباط؟"
الرَّسولُ ﷺ (بِمَحَبَّةٍ وتَوْجِيهٍ بَلِيغ): "إِنَّ نَسَبَكُمْ وَصِهْرَكُمْ غَالٍ، وَمِصْرُ كَانَتْ وَسَتَبْقَى كِنَانَةَ الأُمَّةِ إِذَا صَحَّتِ العَزَائِم. إِنَّ رِبَاطَكُمْ لَيْسَ فَقَطْ وُقُوفًا عَلَى الحُدُودِ بِالسِّلَاح، بَلْ هُوَ رِبَاطُ العِلْمِ، وَالعَمَلِ، وَالصَّبْرِ الأَخْلَاقِيّ.
تَخَلَّصُوا مِنَ الجَدَلِ الَّذِي لَا يَعْقِبُهُ عَمَل؛ فَقَدْ حَذَّرْتُكُمْ قَائِلًا: 'مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجَدَل'. صُبُّوا طَاقَاتِكُمْ فِي الإِنْتَاج، وَفِي إِتْقَانِ الصَّنَائِع، وَفِي بِنَاءِ الأُسْرَةِ القَوِيَّة. رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى الجِدِّيَّةِ وَتَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّة، وَلَا تَتْرُكُوهُمْ لِأَهْوَاءِ الشَّارِعِ أَوْ سُيُولَةِ العَصْر. الشَّخْصِيَّةُ القَوِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَمْزُجُ بَيْنَ الإِيمَانِ الرَّاسِخِ وَالعِلْمِ النَّافِعِ وَالعَمَلِ الدَّؤُوب."
المَشْهَدُ الأَخِير: خَارِطَةُ الطَّرِيقِ وبِشَارَاتُ المُسْتَقْبَل
قَبْلَ أنْ يَنْتَهِيَ هذا اللِّقاءُ الرُّوحِيُّ العَمِيق، كُنْتُ بِحاجَةٍ إلى لَمْسَةِ أَمَلٍ أَعُودُ بِها إلى العالَمِ الصَّاخِب، صِيغَةٍ عَمَلِيَّةٍ يُمْكِنُ تَنْفِيذُها في الحَياةِ اليَوْمِيَّة.
السَّائِل: "يا رَسولَ الله، اخْتِمْ لَنا بِخُطَّةِ عَمَل. كَيْفَ نَخْرُجُ من هذا المَقالِ ومن هذا التَّصَوُّرِ إلى طاوِلَةِ التَّنْفِيذ؟"
الرَّسولُ ﷺ (مُبْتَسِمًا، مَادًّا يَدَ التَّفَاؤُلِ واليَقِين): "الخُطَّةُ بَسِيطَةٌ عَمِيقَة، يَا عَبْدَ الله:
أَوَّلًا: أَصْلِحْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ فِي سِرِّكَ، يُصْلِحِ اللهُ لَكَ عَلَانِيَتَكَ وَيُصْلِحْ لَكَ النَّاس.
ثَانِيًا: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُول. لَا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِإِصْلَاحِ العَالَمِ وَأَنْتَ هَادِمٌ لِبَيْتِكَ أَوْ مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِك.
ثَالِثًا: اعْمَلْ وَإِنْ لَمْ تَرَ النَّتِيجَة. 'إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا'. هَذَا هُوَ عَيْنُ العَمَلِ الاسْتْرَاتِيجِيِّ المَقْصِدِيّ؛ نَحْنُ مُتَعَبَّدُونَ بِالغَرْسِ لَا بِجَنْيِ الثَّمَار.
رَابِعًا: لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله. إِنَّ أُمَّتِي كَالمَطَر، لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُه. وَإِنَّ الخَيْرَ بَاقٍ فِيَّ وَفِي أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ القِيَامَة."
خَاتِمَة: الاسْتِيقَاظُ عَلَى المَسْؤُولِيَّة
انْتَهَى الحِوارُ المُتَخَيَّل، لَكِنَّ أَثَرَهُ لَمْ يَنْتَهِ. إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنَنا بِجَسَدِه، لَكِنَّهُ بَيْنَنا بِمَنْهَجِه، وسُنَّتِه، ورُؤْيَتِهِ الكُلِّيَّةِ الشَّامِلَةِ لِلْكَوْنِ والإِنْسان.
إنَّ الأَوْضاعَ الرَّاهِنَةَ، مَهْما بَلَغَتْ نِقَاطُ ظَلَامِها، لَيْسَتْ إلَّا دَوْرَةً من دَوْرَاتِ التَّاريخِ الّتي تَحْتاجُ إلى عُقُولٍ واعِيَةٍ تَفْهَمُ "السُّنَنَ الكَوْنِيَّة"، ورِجالٍ ونِساءٍ يُقِيمُونَ العَدْلَ حَيْثُما كَانُوا، ويَسْتَخْدِمُونَ أَدَواتِ العَصْرِ بِأَخْلاقِ النُّبُوَّة.
لَقَدْ تَرَكَنا النَّبِيُّ ﷺ على طَرِيقٍ واضِحٍ لا يَضِلُّ عَنْهُ إلَّا هَالِك، وعَلَيْنا اليَوْمَ -كُلٌّ في مَوْقِعِهِ، سَواءَ كانَ رَجُلَ قَانُونٍ، أو مُرَبِّيًا، أو شَابًّا يَسْعى في مَناكِبِ الأَرْض- أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الرِّسَالَةَ العَمَلِيَّةَ الّتي تَمْشِي بَيْنَ النَّاس، نَحْمِلُ النُّورَ، ونَغْرِسُ الفَسِيلَة، ونَنْتَظِرُ مَوْعُودَ اللهِ بِقُلُوبٍ مِلْؤُها اليَقِين.