الثلاثاء، 11 نوفمبر 2025

الوهن والضعف والاستكانة في ضوء التدبر القرآني ومنهج التفكير التليسكوبي

 الوهن والضعف والاستكانة في ضوء التدبر القرآني ومنهج التفكير التليسكوبي

    يتميّز البيان القرآني بثراء دلالي بالغ، إذ لا يختار اللفظ إلا لحكمة ، بل يضع كل كلمة في موضعها لتصوير معنى نفسي وإنساني دقيق. ومن هذه الألفاظ التي وردت متجاورة في قوله تعالى:﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾(آل عمران: 146). ثلاثة تعابير تعبّر عن مواقف الإنسان أمام البلاء والابتلاء: الوهن، الضعف، الاستكانة. وقد شكّل الجمع بينها محور تدبّر عميق، يهدف إلى فهم تدرّج الانكسار الإنساني من الداخل إلى الخارج، وفق منهج التفكير التليسكوبي الذي يتجاوز ظاهر الكلمة إلى باطنها وسياقها.

    أن الألفاظ الثلاثة — الوهن، الضعف، والاستكانة — متقاربة في المعنى العام، لكنها تختلف دلالةً وسياقًا في القرآن الكريم اختلافًا يكشف عن طبقات النفس البشرية بين الانكسار الداخلي، والعجز الخارجي، والاستسلام القلبي.سنفصّلها منهجيًا:

أولًا: الوَهْن: معناه، هو الضعف الداخلي النفسي أو العقلي أو الإرادي، أي الخور في العزيمة والقلب لا في الجسد فقط.هو تراجع المعنويات، وفقدان الصبر، وانكسار الروح أمام الشدائد. الشاهد القرآني:﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(آل عمران: 139)،وهنا نهى الله المؤمنين عن الوَهْن بعد غزوة أُحُد، أي: لا تضعفوا نفسيًا ولا تنهار عزائمكم، رغم ما أصابكم من جراح. إذن الوهن ضعف الإرادة والعزيمة أمام الصدمة.

 ثانيًا: الضَّعْف: معناه، هو العجز الحقيقي في القدرة أو القوة أو الوسيلة، أي قلة الحيلة أو الطاقة الجسدية أو المادية.قد يكون خلقةً (كالشيخوخة)، أو عارضًا (كالهزيمة أو المرض). الشواهد القرآنية:الضعف الخِلقي:﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾(الروم: 54)، أي ضعف الطفولة ثم قوة الشباب.الضعف أمام العدو:﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾(الأنفال: 26)، أي عاجزون مادياً عن المقاومة. إذن:الضعف = عجز مادي أو جسدي أو سببي.الوهن = عجز نفسي أو روحي.

 ثالثًا: الاستِكانة: معناها،الاستكانة من مادة سكن، وهي الخضوع السلبي بعد الابتلاء، أي أن يصيب الإنسان أو الأمة البلاء فلا تتحرك، بل ترضى بالهوان وتستسلم. الشاهد القرآني:﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾(الأنعام: 43)، وفي موضع آخر أوضح:﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾(المؤمنون: 76)، أي: ما خضعوا لله خضوع التائبين بعد الشدائد، بل بقوا في عنادهم. فالاستكانة في القرآن نوعان:ممدوحة: خضوع لله وتضرع بعد الشدة.مذمومة: خضوع للواقع والظلم واليأس دون رجوع إلى الله.

 الفروق الجوهرية بين الألفاظ الثلاثة

اللفظ     موضعه في الإنسان   طبيعته          نتيجته                        المثال القرآني                                المقابل العملي

الوهن      النفس والعزيمة معنوي داخلي    انكسار الإرادة (ولا تهنوا ولا تحزنوا) آل عمران 139  فقدان الحماس

الضعف الجسد والقدرة مادي حسي عجز عن الفعل (خلقكم من ضعف) الروم 54 قلة الوسيلة أو القوة

الاستكانة السلوك والموقف روحي أخلاقي خضوع سلبي أو توبة صادقة            (فما استكانوا لربهم) المؤمنون 76      الاستسلام أو التضرع

    خلاصة تدبرية:الضعف: عجز في الوسائل. الوهن: عجز في العزيمة. الاستكانة: عجز في الموقف بعد الابتلاء. فالقرآن لا يعيب الضعف الطبيعي، لكنه يذم الوهن القلبي والاستكانة للباطل، لأنها تُميت روح الجهاد والإصلاح في الإنسان والأمة. احتسب جزاءذلك عند الله .



الاثنين، 10 نوفمبر 2025

"قل هو من عند أنفسكم": قراءة تحليلية وتدبرية في فلسفة الهزيمة والنصر من خلال الآية 165 من سورة آل عمران

 "قل هو من عند أنفسكم": قراءة تحليلية وتدبرية في فلسفة الهزيمة والنصر من خلال الآية 165 من سورة آل عمران
   
      تمثل الآية الكريمة رقم (165) من سورة آل عمران إحدى المحطات التربوية العميقة في تاريخ الدعوة الإسلامية، إذ نزلت عقب غزوة أُحد التي شكّلت صدمة نفسية وفكرية للمجتمع المسلم، بعد أن تذوّق طعم النصر في بدر ثم ذاق مرارة الانكسار في أحد. وفي خضم هذا الاضطراب، يوجّه القرآن الكريم بصائر المؤمنين نحو قانونٍ ربانيٍّ ثابتٍ يحكم حركة النصر والهزيمة في حياة الأمم والأفراد على السواء، فيقول جل شأنه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]. 

    إنها ليست مجرد آية تفسيرية لأحداث وقعت في غزوة أُحد، بل قانونٌ إلهيٌّ دائم يكشف سرّ التحولات في التاريخ البشري: أن الخلل الداخلي هو منشأ الضعف الخارجي، وأن النصر والهزيمة لا يُقاسان بالعدد والعدة، بل بمقدار الطاعة والوعي والصدق في الامتثال لأمر الله.
   
   وتُعيد هذه الآية ترتيب الوعي الإيماني للأمة، لتتعلم كيف تنظر إلى أزماتها بمنظارٍ من المسؤولية لا الشكوى، ومن الفحص الذاتي لا التبرير، ومن الفهم العميق لسنن الله في الابتلاء والتمحيص. فما جرى في أحد لم يكن عجزًا من الله، بل تربيةً للأمة وصقلًا لإيمانها، ليبقى في ضميرها صدى النداء الخالد: "قل هو من عند أنفسكم" — لا يزول أثره ما بقيت الأمم تتداول سنن الله في النصر والهزيمة.

أولًا: التحليل اللغوي والبياني
    ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾،الهمزة هنا للاستفهام الإنكاري، أي: أتعجبون حين أصابتكم مصيبة؟،و"المصيبة" من مادة ص و ب أي ما يُصيب الهدف، والمعنى: نازلة دقيقة محددة وقعت بكم عن قصدٍ من الله لحكمةٍ. والمقصود بالمصيبة: ما نزل بهم في غزوة أُحد من القتل والجراح والهزيمة المؤقتة.﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾،أي: أنتم الذين أصبتم المشركين في غزوة بدر بمثلي ما أصابوكم في أحد، لأن المسلمين قتلوا في بدر سبعين من المشركين وأسروا سبعين، بينما قتل من المسلمين في أُحد سبعون فقط. فالله يقول لهم: لا تنسوا أن النصر والهزيمة تتقلب، وقد سبق أن كنتم الغالبين.

    ﴿قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا﴾،أنّى في اللغة تأتي بمعنى: من أين، وكيف، ولماذا. أي: قلتم متعجبين: كيف يُهزم المؤمنون ونحن على الحق وهم على الباطل؟،﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، أي: السبب في الهزيمة منكم أنتم، لا من ضعف في دين الله ولا من تخلي الله عنكم. والخطاب هنا فيه تأديب ولوم رفيق، لكنه صريح في تحميل المسؤولية: المخالفة لأمر النبي ﷺ، والحرص على الغنيمة قبل استكمال النصر — كانت منكم.

    ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾،أي: الله قادر على أن ينصركم بلا قتال، ولكنه يريد أن يُربّيكم بالتجارب، ليُظهر فيكم معدن الصبر والصدق والطاعة.

 ثانيًا: التفسير في ضوء أسباب النزول

    ذكر ابن كثير والطبري والقرطبي أن هذه الآية نزلت بعد غزوة أحد، حينما انهزم المسلمون بعد أن انتصروا أولًا.
وكان السبب أن الرماة الذين أمرهم النبي ﷺ بالبقاء في مواقعهم على الجبل نزلوا حين رأوا الغنائم، فاستغل خالد بن الوليد (وكان يومئذ مشركًا) الفرصة، فالتف بخيله على المسلمين من الخلف.فلما رأى المسلمون القتلى والجرحى، قالوا متسائلين:كيف نهزم ونحن أصحاب النبي ﷺ، ونحن على دين الله الحق؟، فجاء الجواب الإلهي: "قل هو من عند أنفسكم"، أي: من مخالفتكم وتنازعكم، كما قال في آية أخرى:﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152].

 ثالثًا: المدلول العقدي والتربوي

    إقرار مبدأ السببية في الهزيمة والنصر،هذه الآية تؤسس لمبدأ أن سنن الله لا تحابي أحدًا. الإيمان وحده لا يكفي للنصر إذا خالف المؤمن السنن. فالله لا يعطي النصر بالعاطفة، بل بالاستحقاق.كما أن الاعتراف بالخطأ شرط الإصلاح، أول خطوة بعد الهزيمة هي أن يقول الإنسان: “هو من عند أنفسنا”. أما التبرير، وإلقاء اللوم على الآخرين، فهو استمرار للهزيمة في الوعي قبل الميدان.بالاضافة الى تربية الأمة على عدم الغرور بالنصر السابق، النصر في بدر لم يكن شهادة دائمة، بل امتحان مؤقت. فالأمة التي تسترخي بعد نصرها، وتظن أن الله ملزم بنصرها دائمًا، تُبتلى لتعود إلى الطاعة.
    أن الابتلاء سنة إلهية لتطهير الصف، الهزيمة في أُحد كانت فرزًا، كما قال بعدها: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، فالهزائم تكشف النفوس، وتميّز المؤمن من المنافق، والمخلص من الطامع.

 رابعًا: التدبر التلسكوبي – نظرة من بعيد ومن الداخل معًا

    إذا نظرنا إلى الآية من بعيد (تلسكوبيًا)، فهي ليست فقط عن "غزوة أُحد"، بل عن قانونٍ حضاريٍّ دائم: كلّ تراجعٍ في واقع الأمة سببه خلل داخلي قبل أن يكون عدوانًا خارجيًا. وإذا نظرنا من الداخل، نجد أن الآية تخاطب القلب قبل العقل:لا تقل: “كيف يحدث لي هذا وأنا مؤمن؟”، بل قل: “أين قصّرتُ في طاعتي أو فهمي أو صدقي؟”، فالمؤمن لا يُصاب عبثًا، بل يُصاب لحكمةٍ في بناء نفسه. والهزيمة ليست غضبًا دائمًا، بل صفعة إيقاظ.

 خامسًا: دروس معاصرة مستفادة
 
    في السياسة والمجتمع: لا تنهزم أمة إلا حين تفقد وعيها بأسباب النصر. كل فساد داخلي يولّد ضعفًا خارجيًا.في العمل والإدارة: الفشل ليس صدفة، بل نتيجة خلل إداري أو أخلاقي أو معرفي. الاعتراف بالخطأ بداية التقدم. في حياة الفرد: حين تفشل في مشروع أو علاقة أو هدف، لا تسأل: “لماذا يا رب؟”،بل اسأل: “ما الذي فعلته أنا خطأ؟”،لأن الله قدير، وما أصابك إلا ليعلّمك الطريق الأقوم.
    
     في الختام،الآية 165 من آل عمران تلخّص منهج القرآن في تربية الأمم: لا انتصار بلا طاعة. لا هزيمة بلا سبب. لا قدَر بلا حكمة. فهي تزرع في قلب المؤمن التوازن بين الإيمان بالقَدَر، والمسؤولية عن الفعل، وتعيد له البوصلة حين تختلط عليه الأحداث. هذه سنة الله في الكون لا تبديل و لا تحويل لها.

الخميس، 6 نوفمبر 2025

فقه التسبيب القضائي في قضايا الجرائم الإلكترونية

 فقه التسبيب القضائي في قضايا الجرائم الإلكترونية

: دراسة تطبيقية على  الحكم رقم 14308 لسنة 92 ق – نقض جنائي – جلسة 19 / 2 / 2024 

    أليت على نفسي أن أكون مصدر إشعاع علمى للمهتمين بالمجال القانوني ، و أحسب نفسي أنني أسهام بقدر يسير في محو الأمية القانونية الشائعة بين بعض المتخصصين في المجال القانوني ، و أحتسب جزاء ذلك عند من لا يضيع عنده أجر من أحسن عملاً الله جل جلاله ، موضوع اليوم هو أهم الدروس المستفادة من الحكم رقم 14308 لسنة 92 ق – نقض جنائي – جلسة 19 / 2 / 2024 

أولًا: دروس في المنهج القضائي لمحكمة النقض

    سيادة محكمة الموضوع في تقدير الأدلة: أكدت المحكمة أن تقدير الدليل، وقناعة القاضي، من سلطة محكمة الموضوع وحدها، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها طالما أن الاستدلال سائغ وله أصل بالأوراق.  الدرس: لا مجال لإعادة مناقشة الأدلة أمام النقض، لأن وظيفتها قانونية وليست موضوعية.

    التفرقة بين الجدل الموضوعي والخطأ القانوني: الطاعن حاول الطعن في قناعة المحكمة بالأدلة، لكن النقض قررت أن هذا مجرد جدل موضوعي لا يدخل في نطاق رقابتها.  الدرس: يجب أن يقتصر الطعن على عيوب قانونية أو منطقية في الحكم، لا على مناقشة الوقائع أو وزن الأدلة.

    تحديد معيار التناقض المبطل للحكم: المحكمة أوضحت أن التناقض الذي يعيب الحكم هو ذلك الذي ينفي بعضه بعضًا بحيث لا يمكن التعرف على مقصود القاضي، أما اختلاف الصياغة فلا يعد تناقضًا. الدرس: ليس كل تفاوت في العبارات تناقضًا، بل فقط ما يهدم منطق الحكم الداخلي.

   وجوب وضوح أوجه الطعن وتحديدها: المحكمة رفضت الطعن لأن الطاعن لم يحدد ماهية الدفوع التي أغفلها الحكم. الدرس: يجب أن تكون أسباب الطعن واضحة ومحددة ومؤثرة في سلامة الحكم، وإلا كانت غير مقبولة.

 ثانيًا: دروس في القواعد الإجرائية

    حالة التلبس وتقديرها من سلطة الموضوع: النقض قررت أن توافر حالة التلبس مسألة موضوعية تستقل بتقديرها محكمة الموضوع، ما دامت بنتها على أسباب سائغة. الدرس: لا يجوز المجادلة في توافر التلبس أمام النقض متى كان الحكم مسببًا تسبيبًا كافيًا.

    اختصاص مأموري الضبط القضائي: المحكمة شرحت أن صفة الضبط القضائي لا تقيد بمكاتب معينة (مثل مباحث الإنترنت)، بل هي سلطة عامة وشاملة لكل الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وشعب البحث الجنائي. الدرس: لا بطلان في الإجراءات لمجرد أن الضابط من إدارة غير مختصة نوعيًا إذا كانت له الصفة العامة للضبط القضائي.

    عدم ضبط أداة الجريمة لا يبطل الإدانة: المحكمة قررت أن أدوات الجريمة ليست ركنًا جوهريًا، وعدم ضبطها لا يؤثر على قيام الجريمة إذا وجدت أدلة أخرى. الدرس: غياب أداة الجريمة لا يعني البراءة متى وُجدت أدلة يقينية أخرى.

    وجوب إثارة الدفوع أمام محكمة الموضوع: المحكمة رفضت دفوع الطاعن ببطلان التحقيقات لأنها لم تُثر أمام محكمة الاستئناف.  الدرس: لا يقبل من الطاعن أن يثير أمام النقض ما لم يتمسك به أمام محكمة الموضوع، لأن النقض لا تنظر في وقائع جديدة.

 ثالثًا: دروس في التسبيب والدفوع

    الدفع الجوهري هو الذي يجب الرد عليه صراحة: المحكمة بيّنت أن الدفوع المرسلة أو العامة (مثل "بطلان الأدلة الإلكترونية") لا تلتزم المحكمة بالرد عليها، لأنها لا تعدو أن تكون تشكيكًا في الأدلة.  الدرس: يجب على الدفاع أن يحدد بوضوح دفعه ومقصده حتى يكتسب وصف "الدفع الجوهري".

    عدم الرد على دفع غير منتج لا يبطل الحكم: المحكمة أوضحت أن السكوت عن دفوع غير مؤثرة لا يعيب الحكم طالما الرد مستفاد ضمنًا من الإدانة. الدرس: يكفي الرد الضمني متى كان الحكم قد أسس الإدانة على أدلة سائغة.

    الاعتراف وليد الإكراه لا يُبحث إذا لم يعتمد عليه الحكم: النقض أكدت أنه لا جدوى من الطعن في بطلان اعتراف لم تبنِ المحكمة عليه حكمها. الدرس: لا جدوى من الطعن في دليل لم تعتمد عليه المحكمة في الإدانة.

    عدم الإشارة إلى إصابات الطاعن لا يعيب الحكم: لأن المحكمة ليست ملزمة بالتحدث إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها. الدرس: سكوت الحكم عن دليل فرعي (كالتقرير الطبي) يعني أنه لم يعول عليه.

رابعًا: دروس في فن المرافعة والطعن بالنقض

    ضرورة صياغة الطعن بمنهج قانوني لا عاطفي، فمحكمة النقض لا تعيد المحاكمة بل تراقب سلامة تطبيق القانون.

    أهمية إثبات الدفوع كتابة في محاضر الجلسات، فكل ما لم يثبت لا يعتد به.

    لا بد أن يُظهر الدفاع علاقة السببية بين الخطأ الإجرائي وبين الحكم بالإدانة، وإلا اعتبر الدفع غير منتج.

    يجب على الدفاع التمييز بين: الدفع القانوني (الذي تلتزم المحكمة بالرد عليه)والدفاع الموضوعي (الذي يكفي الرد عليه ضمنًا).

 خامسًا: القيم القانونية المستخلصة

    احترام مبدأ سيادة محكمة الموضوع في تقدير الوقائع والأدلة. الاستقرار الإجرائي ومنع التحايل بتكرار الدفوع أمام النقض. إعلاء قيمة المنطق القضائي في بناء الحكم دون تضخيم المسائل الشكلية. تحقيق العدالة الإجرائية دون إفراط في الشكلية أو تفريط في الضمانات.

     أليتُ على نفسي أن لا يكون عرض الأحكام مجرد سردٍ لوقائع أو إعادةٍ لتسبيبٍ، بل أن أفتش في أعماقها عن المنهج الذي تفكّر به المحكمة، وعن القيم القانونية والفكرية التي تصوغ وجدان القاضي قبل قلمه. فليست الغاية أن نقرأ الحكم، بل أن نفهم كيف صيغ، ولماذا جاء على هذا النحو دون غيره.

    ومن خلال هذه الدراسة التطبيقية، ومقارنتها بالحكم رقم 14308 لسنة 92 ق – نقض جنائي – تكشّف لي أن محكمة النقض لا تكتفي بدور المراقب الشكلي، بل تمارس دور الموجّه المنهجي الذي يضع حدودًا فاصلة بين ما يجوز من مناقشة قانونية، وما يُعد خروجًا إلى الجدل الموضوعي الذي لا ولاية لها عليه. وهنا يتجلّى درس بالغ الأهمية: أن النقض لا يُنصف من يجادل، بل من يُحسن صياغة منطقه القانوني ويُظهر موضع الخطأ في تطبيق النص.

    كما تبيّن أن العدالة القضائية ليست في كثرة الإجراءات ولا في زخرفة المرافعات، بل في دقّة التفكير ومنطق الاستدلال. فالتسبيب ليس جملًا منمّقة، بل بناءٌ عقلي متكامل يربط بين الواقعة والنص وبين النص والمقصد، وهو ما يمكن أن نعدّه فنًّا من فنون التفكير التلسكوبي الذي يجمع بين الجزئي والكلّي، بين حرف القانون وروح العدالة.


    إن هذا الحكم – وما دار حوله من تحليل – يذكّرنا بأن الطريق إلى النقض لا يُفتح بالعاطفة ولا بالضجيج، بل بالعلم والانضباط، وأن احترام المحكمة لا يكون بالمدح، بل بفهم منهجها. فالقاضي لا يبحث عن كلماتنا، بل عن منطقنا، والدفاع الراشد هو الذي يجعل القانون يتحدث لا لسان صاحبه.

    وفي نهاية هذه الدراسة، أرجو أن أكون قد أسهمت بقدرٍ يسير في إحياء الوعي المنهجي لدى المشتغلين بالقانون، ودعوتُ إلى أن يكون لكل قضية درسها المستفاد لا حكمها فحسب، ولكل طعنٍ منهجه لا حجته فقط. فالعلم القانوني الحق لا يُقاس بما نحفظ من نصوص، بل بما نُدرك من مناهج تفكير خلفها.

    “فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”صدق الله العظيم.

----------------------

باسم الشعب

محكمة النقض

الدائرة الجنائية

دائرة الاثنين ( أ )

المؤلفة برئاسة القاضي / مصطفى محمد نائب رئيس المحكمة وعضوية القضاة/ يوسف قايد ، حسين النخلاوي عباس عبد السلام و د/ أحمد أبو العينين نواب رئيس المحكمة وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض/ أحمد العشري . وأمين السر/ سيد رجب

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة .

في يوم الاثنين 9 من شعبان سنة 1445 هـ الموافق 19 من فبراير سنة 2024 م .

أصدرت الحكم الآتي :

في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 14308 لسنة 92 القضائية

اتهمت النيابة العامة الطاعن في قضية الجنحة رقم .. لسنة .. جنح اقتصادي أول المنتزه والمقيدة برقم … لسنة .. مستأنف غرب الإسكندرية .

بوصف أنه في يوم 13 من ديسمبر سنة 2020 بدائرة قسم أول المنتزه محافظة الإسكندرية .

اعتدى على القيم الأسرية في المجتمع بما لا يصون أعراضها وينال منها ويقوضها على النحو المبين بالأوراق .

وطلبت عقابه بالمادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات .

ومحكمة جنح الإسكندرية الاقتصادية قضت حضوريا بجلسة 26 من يونيه سنة 2021 عملا بالمادتين 25 ، 38 من القانون 175 لسنة 2018 ، بمعاقبة المتهم/ . بالحبس لمدة سنة مع الشغل وكفالة مبلغ خمسة آلاف جنيه لإيقاف التنفيذ وبتغريمه مبلغ خمسين ألف جنيه والمصادرة وألزمته المصاريف الجنائية .

واستأنف المحكوم عليه وقيد استئنافه برقم 193 لسنة 2021 جنح مستأنف اقتصادية منتزه أول .

ومحكمة جنح الإسكندرية الاقتصادية بهيئة استئنافية قضت غيابيا بجلسة 22 من أغسطس سنة 2021 بسقوط حق المتهم في الاستئناف والمصروفات الجنائية .

وعارض المحكوم عليه في الحكم الاستئنافي الغيابي . ومحكمة جنح الإسكندرية الاقتصادية بهيئة استئنافية قضت بجلسة 29 من مايو سنة 2022 بقبول المعارضة الاستئنافية شكلا وفي الموضوع بإلغائها وقبول الاستئناف شكلا وفي الموضوع بتعديل الحكم المستأنف والاكتفاء بحبس المتهم ستة أشهر مع الشغل والتأييد فيما عدا ذلك والمصاريف .

فطعن المحكوم عليه بالطعن في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 26 ، 27 من يوليه سنة 2022 .

وأودعت مذكرة بأسباب طعنه بتاريخ 27 من يوليه سنة 2022 موقع عليها من . .

وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة والمداولة قانونا .

حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون .

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الاعتداء على القيم الأسرية في المجتمع المصري قد شابه القصور والتناقض في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع ذلك بأنه اطرح بما لا يسوغ دفعه ببطلان القبض لانتفاء حالة التلبس ولعدم صدور إذن من النيابة العامة ، واستند في قضائه إلى تحريات الشرطة رغم أنها لا تصلح لإدانته ، وأن مجريها غير مختص بإجرائها وانعقاده لمباحث الإنترنت والتي خلت الأوراق منها ، وأنه لم يضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحاسب الإلكتروني محل الجريمة بحوزة الطاعن ، ودانه بها رغم خلو الأوراق من دليل فني ، أو ثمة دليل يقيني على اقترافه لها ، واعتنق الحكم صور متعارضة لواقعة الدعوى إذ حصل بمدوناته أن الطاعن أنشأ حساب إلكتروني على تطبيق هورنت لارتكاب الجريمة ثم أورد في موضع آخر أنه ضبط مع الطاعن هاتف المحمول لا يحتوي على ثمة تطبيقات مما يصمه بالتناقض ، وينبئ عن اختلال عناصر الواقعة في ذهن المحكمة ، هذا إلى قصور تحقيقات النيابة وبطلانها ، والتفت الحكم عن الدفع ببطلان الأدلة الإلكترونية ، وبطلان إقراره بمحضر الضبط لصدوره وليد إكراه ، بدلالة إصابته الواردة بالتقرير الطبي الخاص به ، وبعدم معقولية الواقعة وأنه لم يرتكب الجريمة ، وأوجه دفاعه ودفوعه الأخرى المسطورة بمذكرة دفاعه ، كل ذلك مما يعيب الحكم وبما يستوجب نقضه .

وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها ، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القول بتوافر حالة التلبس أو عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها ما دامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة ، وكان ما أورده الحكم تدليلا على توافر حالة التلبس وردا على ما دفع به الطاعن من عدم توافر هذه الحالة ومن بطلان القبض عليه كافيا وسائغا ويتفق وصحيح القانون ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان لا تثريب على المحكمة إن هي أخذت بتحريات رجال المباحث ضمن الأدلة التي استندت إليها ، لما هو مقرر من أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة كما هو الحال في الحكم المطعون فيه ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون على غير أساس . لما كان ذلك ، وكانت المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 26 لسنة 1971 قد منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة الضبط بصفة عامة وشاملة مما مؤداه أن يكون في متناول اختصاصهم ضبط جميع الجرائم في جميع أنحاء الجمهورية ما دام أن قانون الإجراءات الجنائية حينما أضفى عليهم صفة الضبط القضائي لم يرد أن يقيدها لديهم بأي قيد أو يحد من ولايتهم فيجعلها قاصرة على نوع معين من الجرائم لاعتبارات قدرها تحقيقا للمصلحة العامة ، وتلك الولاية بحسب الأصل إنما تنبسط على جميع أنواع الجرائم حتى ما كان منها قد أفردت له مكاتب خاصة ، لما هو مقرر من أن اضفاء صفة الضبط القضائي على موظف ما في صدد جرائم معينة لا يعني مطلقا سلب تلك الصفة في شأن هذه الجرائم عينها عن غيره من مأمور الضبط القضائي ذوي الاختصاص العام نوعيا ومكانيا ، ولا ينال من هذا النظر ما اشتمل عليه قرار وزير الداخلية بتنظيم مصلحة الأمن العام وتحديد اختصاص كل إدارة منها ، فهو محض قرار نظامي لا يشتمل على ما يمس أحكام قانون الإجراءات الجنائية ، وليس في هذا القانون الأخير ما يخول وزير الداخلية حق إصدار قرارات بمنح صفة الضبط القضائي أو سلب أو تقييد هذه الصفة عن ضابط معين بالنسبة إلى نوع أو أنواع معينة من الجرائم ، وكانت المادة السالفة البيان فضلا عن أنها منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة عامة وشاملة في ضبط جميع الجرائم فإنها كذلك قد خولتهم هذه السلطة في كافة أنحاء الجمهورية ، وكان القائم بالتحريات الضابط بالإدارة العامة لحماية الأداب فإنه يكون غير صحيح في القانون النعي ببطلان الإجراءات في هذا الصدد . لما كان ذلك ، وكانت أدوات الجريمة ليست من أركان الجريمة الجوهرية فإن عدم ضبطها لا يؤثر في قيام الجريمة ولا ينال من أدلتها القائمة في الدعوى ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن من عدم ضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحساب الإلكتروني محل الجريمة يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر أمام محكمة الموضوع ما يدعيه من خلو الأوراق من دليل فني ، فليس له من بعد أن ينعى عليها قعودها عن إجراء أو تحقيق دفاع لم يطلبه منها ، ومن ثم فلا يحل له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان تقدير الدليل موكول لمحكمة الموضوع ، ومتى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا معقب عليها في ذلك ، وكانت الأدلة التي ساقها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعن للجريمة المسندة إليه حسبما تقدم بيانه ، فإن ما يثيره في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة ، والذي من شأنه أن يجعل الدليل متهادما متساقطا لا شيء فيه باقيا يمكن أن يعتبر قواما لنتيجة سليمة يصح الاعتماد عليها ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة لواقعة الدعوى ثم ساق أدلة الثبوت التي استمد منها عقيدة دون تناقض على النحو المبين بمدوناته ، فإن ما يثيره الطاعن من دعوى التناقض في التسبيب يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه تنبئ عن أن المحكمة ألمت بواقعة الدعوى وأحاطت بالاتهام المسند إلى الطاعن ودانته بالأدلة السائغة التي أخذت بها وهي على بينة من أمرها ، فإن مجادلتها في ذلك بدعوى الفساد في الاستدلال ينطوي على منازعة موضوعية فيما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر ما يدعيه من قصور التحقيقات وبطلانها ، ولم يطلب من محكمة الموضوع تدارك ما شابها من قصور ، فإنه لا يحق له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع الذي تلتزم المحكمة بتحقيقه أو الرد عليه هو الذي يبدى صراحة أمامها دون غيره من القول المرسل الذي لم يقصد به سوي مجرد التشكيك في مدى ما اطمأنت إليه من أدلة الثبوت ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن الطاعن اقتصر على مجرد القول ببطلان الأدلة الإلكترونية دون أن يبين مقصده ومرماه من هذا القول والذي جاء في عبارات مرسلة بغير دليل يظاهرها أو واقع يساندها ولا ينصرف إلا إلى مجرد التشكيك في الدليل ، مما يعتبر من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تلتزم المحكمة بالرد عليها ، إذ الرد عليها يستفاد من الحكم بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أخذت بها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يستأهل ردا . لما كان ذلك ، وكان لا جدوى من النعي على الحكم بالقصور أو عدم الرد على الدفع ببطلان اعتراف الطاعن لصدوره تحت تأثير الإكراه ما دام أن البين من الواقعة كما صار إثباتها في الحكم ومن استدلاله أن الحكم لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من اعتراف الطاعن المزمع ببطلانه ، وإنما قام قضاءه على أدلة أخرى ليس من بينها ذلك الاعتراف ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون في غير محله ، ولا يجوز التحدي في ذلك بما ورد بأقوال ضابط الواقعة حسبما حصلها الحكم من أنه واجه الطاعن بما أسفر عنه القبض والتفتيش فأقر له بارتكابه الجريمة المسندة إليه ، إذ هو لا يعد اعترافا من الطاعن بما أسند إليه وإنما مجرد قول للضابط يخضع لتقدير المحكمة التي أفصحت عن اطمئنانها إليه في هذا الشأن ، هذا إلى أن البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع بأن اعترافه كان وليد إكراه ، فإنه لا يقبل منه إثاره ذلك أمام محكمة النقض لما يتطلبه ذلك من تحقيق موضوعي تنحسر عنه وظيفة هذه المحكمة . لما كان ذلك ، وكان لا يقدح في سلامة الحكم إغفاله بيان إصابات الطاعن ، لما هو مقرر من أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ولا عليها إن هي التفتت عن أي دليل آخر لأن في عدم إيرادها له ما يفيد اطراحه وعدم التعويل عليه ، ومن ثم فإن نعي الطاعن على الحكم إغفاله إصاباته على فرض صحة ما يدعيه لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان الدفع بعدم معقولية الواقعة وبعدم ارتكابه الجريمة ، كل ذلك إنما هو دفاع موضوعي لا يستوجب في الأصل من المحكمة ردا خاصا أو صريحا طالما أن الرد عليه يستفاد ضمنا من القضاء بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ، ومن ثم فلا على محكمة الموضوع إن هي لم ترد في حكمها على هذه الدفوع أو أن تكون قد اطرحتهابعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر والمرافعة والمداولة قانونا .

حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون .

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمة الاعتداء على القيم الأسرية في المجتمع المصري قد شابه القصور والتناقض في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع ذلك بأنه اطرح بما لا يسوغ دفعه ببطلان القبض لانتفاء حالة التلبس ولعدم صدور إذن من النيابة العامة ، واستند في قضائه إلى تحريات الشرطة رغم أنها لا تصلح لإدانته ، وأن مجريها غير مختص بإجرائها وانعقاده لمباحث الإنترنت والتي خلت الأوراق منها ، وأنه لم يضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحاسب الإلكتروني محل الجريمة بحوزة الطاعن ، ودانه بها رغم خلو الأوراق من دليل فني ، أو ثمة دليل يقيني على اقترافه لها ، واعتنق الحكم صور متعارضة لواقعة الدعوى إذ حصل بمدوناته أن الطاعن أنشأ حساب إلكتروني على تطبيق هورنت لارتكاب الجريمة ثم أورد في موضع آخر أنه ضبط مع الطاعن هاتف المحمول لا يحتوي على ثمة تطبيقات مما يصمه بالتناقض ، وينبئ عن اختلال عناصر الواقعة في ذهن المحكمة ، هذا إلى قصور تحقيقات النيابة وبطلانها ، والتفت الحكم عن الدفع ببطلان الأدلة الإلكترونية ، وبطلان إقراره بمحضر الضبط لصدوره وليد إكراه ، بدلالة إصابته الواردة بالتقرير الطبي الخاص به ، وبعدم معقولية الواقعة وأنه لم يرتكب الجريمة ، وأوجه دفاعه ودفوعه الأخرى المسطورة بمذكرة دفاعه ، كل ذلك مما يعيب الحكم وبما يستوجب نقضه .

وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دان الطاعن بها ، وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة لها معينها الصحيح من الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن القول بتوافر حالة التلبس أو عدم توافرها هو من المسائل الموضوعية التي تستقل بها محكمة الموضوع بغير معقب عليها ما دامت قد أقامت قضاءها على أسباب سائغة ، وكان ما أورده الحكم تدليلا على توافر حالة التلبس وردا على ما دفع به الطاعن من عدم توافر هذه الحالة ومن بطلان القبض عليه كافيا وسائغا ويتفق وصحيح القانون ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد ينحل إلى جدل موضوعي لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض . لما كان ذلك ، وكان لا تثريب على المحكمة إن هي أخذت بتحريات رجال المباحث ضمن الأدلة التي استندت إليها ، لما هو مقرر من أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على ما جاء بتحريات الشرطة باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة كما هو الحال في الحكم المطعون فيه ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون على غير أساس . لما كان ذلك ، وكانت المادة 23 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 26 لسنة 1971 قد منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة الضبط بصفة عامة وشاملة مما مؤداه أن يكون في متناول اختصاصهم ضبط جميع الجرائم في جميع أنحاء الجمهورية ما دام أن قانون الإجراءات الجنائية حينما أضفى عليهم صفة الضبط القضائي لم يرد أن يقيدها لديهم بأي قيد أو يحد من ولايتهم فيجعلها قاصرة على نوع معين من الجرائم لاعتبارات قدرها تحقيقا للمصلحة العامة ، وتلك الولاية بحسب الأصل إنما تنبسط على جميع أنواع الجرائم حتى ما كان منها قد أفردت له مكاتب خاصة ، لما هو مقرر من أن اضفاء صفة الضبط القضائي على موظف ما في صدد جرائم معينة لا يعني مطلقا سلب تلك الصفة في شأن هذه الجرائم عينها عن غيره من مأمور الضبط القضائي ذوي الاختصاص العام نوعيا ومكانيا ، ولا ينال من هذا النظر ما اشتمل عليه قرار وزير الداخلية بتنظيم مصلحة الأمن العام وتحديد اختصاص كل إدارة منها ، فهو محض قرار نظامي لا يشتمل على ما يمس أحكام قانون الإجراءات الجنائية ، وليس في هذا القانون الأخير ما يخول وزير الداخلية حق إصدار قرارات بمنح صفة الضبط القضائي أو سلب أو تقييد هذه الصفة عن ضابط معين بالنسبة إلى نوع أو أنواع معينة من الجرائم ، وكانت المادة السالفة البيان فضلا عن أنها منحت الضباط العاملين بمصلحة الأمن العام وفي شعب البحث الجنائي بمديريات الأمن سلطة عامة وشاملة في ضبط جميع الجرائم فإنها كذلك قد خولتهم هذه السلطة في كافة أنحاء الجمهورية ، وكان القائم بالتحريات الضابط بالإدارة العامة لحماية الأداب فإنه يكون غير صحيح في القانون النعي ببطلان الإجراءات في هذا الصدد . لما كان ذلك ، وكانت أدوات الجريمة ليست من أركان الجريمة الجوهرية فإن عدم ضبطها لا يؤثر في قيام الجريمة ولا ينال من أدلتها القائمة في الدعوى ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن من عدم ضبط الهاتف المحمول الذي يحمل الحساب الإلكتروني محل الجريمة يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر أمام محكمة الموضوع ما يدعيه من خلو الأوراق من دليل فني ، فليس له من بعد أن ينعى عليها قعودها عن إجراء أو تحقيق دفاع لم يطلبه منها ، ومن ثم فلا يحل له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان تقدير الدليل موكول لمحكمة الموضوع ، ومتى اقتنعت به واطمأنت إليه فلا معقب عليها في ذلك ، وكانت الأدلة التي ساقها الحكم من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من ثبوت مقارفة الطاعن للجريمة المسندة إليه حسبما تقدم بيانه ، فإن ما يثيره في هذا الصدد يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم ويبطله هو الذي يقع بين أسبابه بحيث ينفي بعضها ما أثبته البعض الآخر ولا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة ، والذي من شأنه أن يجعل الدليل متهادما متساقطا لا شيء فيه باقيا يمكن أن يعتبر قواما لنتيجة سليمة يصح الاعتماد عليها ، وكان الحكم المطعون فيه قد اعتنق صورة واحدة لواقعة الدعوى ثم ساق أدلة الثبوت التي استمد منها عقيدة دون تناقض على النحو المبين بمدوناته ، فإن ما يثيره الطاعن من دعوى التناقض في التسبيب يكون غير سديد . لما كان ذلك ، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه تنبئ عن أن المحكمة ألمت بواقعة الدعوى وأحاطت بالاتهام المسند إلى الطاعن ودانته بالأدلة السائغة التي أخذت بها وهي على بينة من أمرها ، فإن مجادلتها في ذلك بدعوى الفساد في الاستدلال ينطوي على منازعة موضوعية فيما تستقل به محكمة الموضوع بغير معقب . لما كان ذلك ، وكان البين من محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يثر ما يدعيه من قصور التحقيقات وبطلانها ، ولم يطلب من محكمة الموضوع تدارك ما شابها من قصور ، فإنه لا يحق له من بعد أن يثير شيئا عن ذلك لأول مرة أمام محكمة النقض ، إذ هو لا يعدو أن يكون تعييبا للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سببا للطعن في الحكم . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الدفع الذي تلتزم المحكمة بتحقيقه أو الرد عليه هو الذي يبدى صراحة أمامها دون غيره من القول المرسل الذي لم يقصد به سوي مجرد التشكيك في مدى ما اطمأنت إليه من أدلة الثبوت ، وكان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن المدافع عن الطاعن اقتصر على مجرد القول ببطلان الأدلة الإلكترونية دون أن يبين مقصده ومرماه من هذا القول والذي جاء في عبارات مرسلة بغير دليل يظاهرها أو واقع يساندها ولا ينصرف إلا إلى مجرد التشكيك في الدليل ، مما يعتبر من أوجه الدفاع الموضوعية التي لا تلتزم المحكمة بالرد عليها ، إذ الرد عليها يستفاد من الحكم بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أخذت بها ، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الخصوص لا يستأهل ردا . لما كان ذلك ، وكان لا جدوى من النعي على الحكم بالقصور أو عدم الرد على الدفع ببطلان اعتراف الطاعن لصدوره تحت تأثير الإكراه ما دام أن البين من الواقعة كما صار إثباتها في الحكم ومن استدلاله أن الحكم لم يستند في الإدانة إلى دليل مستمد من اعتراف الطاعن المزمع ببطلانه ، وإنما قام قضاءه على أدلة أخرى ليس من بينها ذلك الاعتراف ، فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد يكون في غير محله ، ولا يجوز التحدي في ذلك بما ورد بأقوال ضابط الواقعة حسبما حصلها الحكم من أنه واجه الطاعن بما أسفر عنه القبض والتفتيش فأقر له بارتكابه الجريمة المسندة إليه ، إذ هو لا يعد اعترافا من الطاعن بما أسند إليه وإنما مجرد قول للضابط يخضع لتقدير المحكمة التي أفصحت عن اطمئنانها إليه في هذا الشأن ، هذا إلى أن البين من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة أن الطاعن لم يدفع أمام محكمة الموضوع بأن اعترافه كان وليد إكراه ، فإنه لا يقبل منه إثاره ذلك أمام محكمة النقض لما يتطلبه ذلك من تحقيق موضوعي تنحسر عنه وظيفة هذه المحكمة . لما كان ذلك ، وكان لا يقدح في سلامة الحكم إغفاله بيان إصابات الطاعن ، لما هو مقرر من أن المحكمة غير ملزمة بالتحدث في حكمها إلا عن الأدلة ذات الأثر في تكوين عقيدتها ولا عليها إن هي التفتت عن أي دليل آخر لأن في عدم إيرادها له ما يفيد اطراحه وعدم التعويل عليه ، ومن ثم فإن نعي الطاعن على الحكم إغفاله إصاباته على فرض صحة ما يدعيه لا يكون له محل . لما كان ذلك ، وكان الدفع بعدم معقولية الواقعة وبعدم ارتكابه الجريمة ، كل ذلك إنما هو دفاع موضوعي لا يستوجب في الأصل من المحكمة ردا خاصا أو صريحا طالما أن الرد عليه يستفاد ضمنا من القضاء بالإدانة استنادا إلى أدلة الثبوت التي أوردها الحكم ، ومن ثم فلا على محكمة الموضوع إن هي لم ترد في حكمها على هذه الدفوع أو أن تكون قد اطرحتها بالرد عليها إجمالا ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحا محددا ، وكان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع التي يقول إنه أثارها والأخرى التي أثارها في مذكرات قدمها إلى المحكمة وأغفل الحكم التعرض لها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، ومن ثم فإن منعاه في هذا الخصوص لا يكون مقبولا . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا .

بالرد عليها إجمالا ، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص يكون غير مقبول . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحا محددا ، وكان الطاعن لم يفصح عن ماهية أوجه الدفاع والدفوع التي يقول إنه أثارها والأخرى التي أثارها في مذكرات قدمها إلى المحكمة وأغفل الحكم التعرض لها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى المطروحة ، ومن ثم فإن منعاه في هذا الخصوص لا يكون مقبولا . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة : بقبول الطعن شكلا وفي الموضوع برفضه

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2025

حين يلتقي التراب بالقدر(درس في تطوير الذات)

 حين يلتقي التراب بالقدر

قراءة تلسكوبية في قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾(الأنفال: 17).

    من بين آيات القرآن الكريم التي تهزّ وجدان المتدبر وتفتح له آفاق الفهم العميق، تأتي هذه الآية العظيمة التي جمعت بين الفعل البشري والقدرة الإلهية في لحظة واحدة. فهي لا تصف مشهدًا عسكريًا في غزوة بدر فحسب، بل تؤسس قانونًا كونيًا يربط بين العمل الإنساني والإرادة الربانية.الآية تقول ببلاغة معجزة:"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"،كلمات قليلة تختصر فلسفة الوجود الإيماني، وتكشف عن جوهر العلاقة بين الفاعل الحقيقي (الله) والفاعل الظاهر (الإنسان)،في صورة من أبلغ صور التوحيد العملي في القرآن.

أولاً: المشهد التاريخي

    في غزوة بدر، حين أخذ النبي ﷺ حفنة من تراب ورماها نحو جيش المشركين، فما بقي أحد منهم إلا دخل التراب في عينيه أو وجهه، فنزل قول الله تعالى مؤكدًا أن ما حدث لم يكن بفعلٍ بشري محض، بل بتدخلٍ إلهي مباشر: “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.”لقد كانت تلك الرمية إشارة رمزية إلى أن الله هو القوة المحركة خلف كل سبب، وأن النصر لا يكون إلا بتوفيق الله مهما بلغت الوسائل.

ثانيًا: المفارقة اللغوية بين النفي والإثبات

    الآية تبدو لأول وهلة متناقضة: كيف يُنفى الفعل ثم يُثبت؟،“وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.”لكن في التفسير البلاغي، يتضح أن هذا النفي ليس نفياً للفعل ذاته، بل لنسبة الأثر إليه.

     العبارة                                                                                معناها

  وما رميت                                                       نفيٌ لقدرة النبي على إحداث الأثر بنفسه

 إذ رميت                                                    إثبات للفعل الحسي المادي (حركة اليد)

ولكن الله رمى                                                 بيان أن التأثير الحقيقي كان من الله

    فكأن الله تعالى يقول: لقد فعلت، ولكن لم تكن أنت من أحدث النتيجة. وهنا تكتمل فلسفة السببية الخاضعة للقدرة الإلهية.

 ثالثًا: المنهج التلسكوبي في قراءة الآية

    يُعدّ منهج التفكير التلسكوبي، أسلوبًا يقوم على تدرج الانكشاف من الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهر إلى الجوهر. وبتطبيق هذا المنهج على الآية، نجد ثلاث عدسات متداخلة:

العدسة     المنظور                           الفاعل                                       المعنى

الأول      بشرية حسية         النبي ﷺ                        قام بالفعل المادي (الرمي)

الثانية       سببية واقعية        النبي سبب ظاهر              لم يكن الفعل وحده كافيًا لإحداث النتيجة

الثالثة       كونية غيبية      الله جل جلاله            هو الذي أوجد الأثر الحقيقي عبر قوانين قدره

    الآية إذن تعلمنا أن العمل مطلوب، لكن الأثر بيد الله؛وهذا هو جوهر الإيمان العملي.

 رابعًا: البعد الإيماني والفلسفي

    الآية ترسم ميزانًا دقيقًا بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالمسبب. فهي لا تنفي الفعل الإنساني، بل تضعه في موقعه الصحيح: وسيلة لا غاية، سبب لا مصدر. الإنسان يعمل بقدر ما أمره الله،لكن لا يرى في نفسه فاعلية مستقلة.فالفعل منك… والنجاح من الله. وذلك هو معنى التوكل الحق: العمل مع التسليم.

 خامسًا: التدرج التلسكوبي من الجزئي إلى الكوني

المستوى                         المعنى الجزئي                         المعنى الكوني الأشمل

الحدث التاريخي   معجزة بدر  التراب أصاب القوم جميعًا رغم بساطة الوسيلة تدخل القدرة الإلهية ليُري المؤمنين أن النصر من عند الله لا من العدة

القانون الإيماني الله وراء كل تأثير، والإنسان سبب مأمور بالأخذ بالأسباب  النتائج لا تتولد من الأسباب بذاتها، بل بإذن الله الذي يُفعّلها

القانون الكوني كل طاقة في الكون تعمل بتقدير الله لا بذاتها لا               شيء يتحرك في الوجود إلا بقدر الله؛ فهو خالق الفعل والأثر

الرسالة التربوية اعمل بكل جهد، ثم سلّم النتيجة لله                 التوازن بين العمل والإخلاص، وبين السعي والتسليم

البعد النفسي تهذيب النفس من الغرور بالعمل               التحرر من وهم السيطرة والشعور بالطمأنينة

البعد الاجتماعي وحدة الصف المؤمن في العمل لله              النصر ثمرة تعاون القلوب واتحاد النيات

البعد الحضاري النصر لا يقوم على القوة المادية وحدها        الحضارة المتوازنة هي التي تمزج التقنية بالإيمان

البعد الوجودي الرمي رمز للفعل الإنساني في الوجود                كل حركة بشرية خاضعة لنظام القدر الكلي

الرسالة الختامية أنت ترمي والله يُصيب              الفعل منك، والأثر من الله — تلك هي ذروة التوحيد العملي

 سادسًا: التحليل النثري للتدرج التلسكوبي

    حين نقرأ الآية بهذه العدسات المتدرجة، يتسع المعنى من لحظة بدر إلى مساحة الكون كله.فالرمي في بدر هو مثال مصغر لقانون شامل:كل حركة في الحياة إنما تعمل في إطار تدبيرٍ إلهي دقيق.في المستوى التاريخي، نرى معجزة ميدانية تُثبت التأييد الرباني.وفي المستوى الإيماني، نجد قانونًا يحرر الإنسان من الغرور.وفي المستوى الكوني، نكتشف أن كل القوى والطاقات تسير بتقدير الله.وفي المستوى التربوي، تتربى النفس على الصدق والتسليم.ثم يتعمق الفهم ليصل إلى أن كل فعل في الوجود — من حركة الريح إلى نبض القلب — هو نوع من “الرمي” بأمر الله، وأن الفاعلية الحقيقية في الكون واحدة، هي فاعلية الخالق وحده.

 سابعًا: البعد العملي للآية في حياة الإنسان

    الآية ترسم للإنسان منهجًا للحياة: أن يعمل وكأن كل شيء متوقف على جهده،وأن يطمئن وكأن كل شيء بيد الله. فهي توازن بين الحافز والمسؤولية من جهة،والسكينة واليقين من جهة أخرى.كل إنجاز في الحياة هو “رمية” ما —ترمي بفكرتك، بجهدك، بعلمك، بإخلاصك —ثم تنتظر من الله أن يجعلها تصيب الهدف.

 ومضة ختامية: حين يرمي الله معك، في لحظات العجز، حين تبدو اليد صغيرة أمام ضخامَة الموقف، تذكّر أن الله هو الذي يُمسك بيدك.وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.كم مرة ظننت أن سهمك ضلّ الطريق،ثم فوجئت أنه أصاب هدفًا لم تره أنت، بل رآه الله لك؟،اعمل، واسعَ، وابذل ما تستطيع، ثم دَع الله يرمي معك.فحين تتوحد النية مع الصدق، تتحول اليد البشرية إلى أداةٍ لقدَرٍ إلهي يعمل من خلالها. في كل فعلٍ صادق، هناك يد خفية تقول لك من وراء الغيب:“ما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى.”نسألكم الدعاء.

الاثنين، 3 نوفمبر 2025

ما أدراك و ما يدريك

 ما أدراك و ما يدريك

    كثيراً ما يثير شغفي في البحث ان الفاظ في القران الكريم قد تتشابه في بعض الحروف و لكن لها من الدلالة منى مختلف و أنا مستيقن تماماً ان الحرف في موضعه في القران الكريم لم يأتي عبثاً و إنما وجد في موضعه لحكمة سواء علينا علمناها أم لم نعلمها .

    في عالم البيان القرآني، لا يأتي لفظٌ إلا بميزانٍ دقيق، ولا تُبدَّل صيغةٌ إلا لحكمةٍ تتجاوز حدود اللغة إلى آفاق المعنى. ومن أبدع ما تتجلى فيه هذه الدقة الإعجازية اختلاف التعبير بين قول الله تعالى: «ما أَدْراك» و**«ما يُدريك»**، وهما عبارتان تبدوان في ظاهرهما متشابهتين، لكن وراءهما تفاوتٌ بياني ومعرفي عظيم، يُعبِّر عن درجات التلقي وكشف الغيب، وعن تدرّج الوحي في إطلاع الإنسان على المجهول.

    ففي مواضع يقول الله لنبيه ﷺ: «وما أَدراك» ثم يُتبعها ببيانٍ وتفسيرٍ يُكشف به الحجاب عن الغيب، كقوله تعالى ﴿وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾، وفي مواضع أخرى يقول: «وما يُدريك»، فيترك الأمر في ستر الغيب دون بيان، كقوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا﴾.

    وبين العبارتين تتحرك رحلة الإنسان في المعرفة، من جهلٍ مشروعٍ إلى علمٍ موهوبٍ، ومن غيبٍ مغلقٍ إلى بيانٍ مفتوح. إنه الفارق بين ما أُذِن للنبي ﷺ أن يعلمه، وما بقي عند الله في علم الغيب. ومن هنا تتجلى روعة المنهج القرآني حين يُقاس بمنطق التفكير التليسكوبي — ذلك الذي ينظر إلى الحقيقة في طبقاتٍ متدرجة، ويكشفها مرحلةً بعد مرحلة، حتى يكتمل المشهد في وعيٍ شاملٍ مترابط.

    وهكذا يصبح الفارق بين «ما أَدراك» و«ما يُدريك» ليس مجرد تباين لغوي، بل تجسيدًا بلاغيًا لمسار الإدراك الإنساني من الستر إلى الكشف، ومن التساؤل إلى الفهم، ومن الغيب إلى اليقين.

أولاً: التحليل اللغوي والصرفي

اللفظ                          الفعل                        الزمن     الفاعل                   الدلالة اللغوية
أَدْراك من الفعل (أدرى) ماضٍ الله تعالى         أَعْلَمَك وأخبرك بشيءٍ غيبي.
يُدريك من الفعل (يدري) مضارع الله تعالى لم يُعلِمْك الله بعدُ بهذا الشيء، ولا يُتوقّع أن تعلمه إلا بإذن. 
الفعل الماضي في "أدراك" يدلّ على تحقق الإخبار،بينما الفعل المضارع في "يدريك" يدلّ على استمرار الغيب وستره.

ثانيًا: الفرق الدلالي في السياق القرآني
1. ما أَدْراك: تأتي في المواضع التي أَعْلَمَ اللهُ النبيَّ ﷺ بحقيقتها.وبعدها دائمًا يأتي البيان والتفسير. أمثلة: ﴿وما أدراك ما القارعة﴾ ثم جاء البيان: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾،﴿وما أدراك ما سقر﴾ ثم جاء البيان: ﴿لا تبقي ولا تذر﴾،﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ ثم فُسر في الآية بعدها.
 قاعدة:كل موضع وردت فيه «ما أَدْراك» تلاها بيان، فالغيب فيه مكشوف بعد ستر.

2. ما يُدريك: تأتي في المواضع التي لم يُعلِم اللهُ النبيَّ ﷺ بها. ولا يأتي بعدها أي بيان يوضح حقيقة الشيء.أمثلة:﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا﴾ — علم الساعة مستور.﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ — حال القلوب غير معلوم قبل التجربة.
 قاعدة:كل موضع وردت فيه «ما يُدريك» بقي الغيب فيه محجوبًا غير مكشوف.

 رابعًا: المواضع القرآنية 
    مواضع «ما أَدْراك» (الكشف بعد السؤال): في السور التالية :الحاقة،القارعة،المدثر،الانفطار،المطففين،الطارق
 جميعها فُسّرت بعد السؤال.
    مواضع «ما يُدريك» (الستر والبقاء في الغيب): في السور التالية :الأعراف، عبس،الشورى، جميعها لم يُفسّر بعدها الشيء المذكور.

 خامسًا: الدلالة التلسكوبية (التفكير التدرّجي في المعرفة)
    من خلال منهج التفكير التليسكوبي – الذي يقوم على مبدأ “التدرج في انكشاف المعنى”، نرى أن: "ما يُدريك" تمثل مرحلة الغيب المغلق،ثم تأتي "ما أَدْراك" لتعبّر عن مرحلة الفتح والكشف. فالتعبير القرآني يسلك حركة تلسكوبية معرفية:يبدأ بالستر (ما يُدريك) و ذلك حين يكون الغيب في مجاله الإلهي.ثم بالكشف (ما أَدْراك)و ذلك حين يُفتح باب العلم بالوحي.
      وهكذا يربّي القرآن الإنسان على: أن العلم لا يُؤتى دفعة واحدة،وأن المعرفة تتدرج حسب الاستعداد والاصطفاء.

سادسًا: البعد التربوي والوجداني
    الإيمان بحدود الإدراك البشري: "ما يُدريك" تذكير بأن الغيب لا يُنال بالعقل، بل بالوحي. التسليم لله في علم الساعة والغيب: فلا يُحاول الإنسان اقتحام ما حُجب عنه. الفرح بما أُدْرِكَ من البيان الإلهي:"ما أَدْراك" تكشف مقام التشريف للنبي ﷺ.تربية النفس على الصبر المعرفي: فكل كشف له أوانه، وكل علم له قدره.

 الخاتمة
    تعبيرا «ما أَدْراك» و**«ما يُدريك»** ليسا مجرد اختلاف لفظي، بل هما سلّم معرفي يرتقي به الإنسان بين درجتين: من الجهل المشروع بالغيب إلى العلم الموحى به من الله. فالقرآن يرسم في بنائه اللغوي حركةً تلسكوبيةً من:الغيب الى الإدراك الى البيان الى الفهم الى الإيمان. وهكذا يتجلى إعجاز القرآن في حرفٍ واحدٍ يفتح بابًا من المعرفة، وفي اختلاف زمن الفعل تتجلى رحلة الإنسان بين الغيب والعلم، بين الخفاء والتجلي.
ملحوظة - في حالة فتح اللينك من الموبايل تلاحظ وجود تغيير على عكس فتح اللينك على الحاسب الالى.

الأحد، 2 نوفمبر 2025

سورة المطفّفين والتدرّج في الانحراف: رؤية تليسكوبيّة في السنن القرآنية

 سورة المطفّفين والتدرّج في الانحراف: رؤية تليسكوبيّة في السنن القرآنية

    الحمد لله الذي أنزل كتابه بالحق والميزان، وجعل في كل آية من آياته قانونًا يهدي العقول ويقوّم السلوك. تأتي سورة المطففين نموذجًا قرآنيًا فريدًا يجمع بين التحذير الشرعي، والتحليل النفسي، والرؤية الاجتماعية، لتكشف عن أحد أخطر القوانين التي تحكم حركة الانحراف الإنساني: قانون التدرّج في الانحراف.

    وقد أعادنا تأصيل هذا القانون في رؤيته المعاصرة من خلال منهجية التفكير التليسكوبي، التي تقوم على تتبّع المراحل الدقيقة لأي انحراف أو ارتقاء، من بذرة الفكرة إلى أقصى نتائجها.

البنية العامة للسورة

       سورة المطففين مكية، وعدد آياتها (36). افتتحت بـ«الويل» وخُتمت بـ«الضحك»، لتجسّد حركة العدالة الإلهية بين طرفي الانحراف والاستقامة. موضوعها الرئيس: الميزان الإنساني في الدنيا والآخرة.

التحليل التفسيري والتدبري للسورة

1-  الآيات (1–3): بذرة الانحراف – التطفيف،﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، المعنى: التطفيف هو النقص اليسير في حقوق الناس، لكنه يعكس اختلالًا عميقًا في ميزان النفس. التدبر: الظلم لا يبدأ من السرقة الكبرى، بل من نقصٍ طفيف في الأمانة.كل من يزن بميزانين — في البيع، أو في الكلمة، أو في الحكم على الناس — هو من المطففين. ولهذا جاءت كلمة المطففين من “الطَّفْف” للدلالة على صِغَر الفعل وكِبَر الأثر. الرسالة: الانحراف الكبير يبدأ من تفريطٍ صغير، والفساد الجماعي يولد من خللٍ فرديٍ مستتر.

2- الآيات (4–6): الغفلة عن الحساب – ضعف الوعي بالمآل،﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ۝ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ۝ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، المعنى: هؤلاء لا ينقصون المكيال لجهلهم بالقانون، بل لغفلتهم عن يوم الميزان الحقيقي. التدبر: السؤال القرآني “ألا يظنّ” فيه توبيخ على فقدان الحد الأدنى من الإحساس بالمحاسبة. يبدأ الانحراف هنا بالانتقال من الخلل السلوكي إلى الخلل الفكري: تبرير الفعل ونفي العاقبة. الرسالة: حين يُطفئ الإنسان ضوء المآل، يسير إلى الهاوية بثقة العميان.

3- الآيات (7–9): الترسيم الإلهي – “سِجّين”،﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ... كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾، المعنى:“سجين” موضع ضيق وذلة وسواد، وهو سجل الأعمال المغلقة على أصحابها. “كتاب مرقوم” أي مثبت لا يُمحى. التدبر: من ضيّق على الناس في دنياهم، ضُيّق عليه في مصيره. التطفيف الذي ظنه صغيرًا صار سجنًا أبديًا، لأن الله يزن القلوب لا الأوزان. الرسالة: الظلم لا يضيع، بل يُرقم في كتاب لا يُغلق إلا بالحساب.

4- الآيات (10–17): التكذيب – الانهيار العقدي، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ... كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، المعنى: بعد أن غفل عن اليوم الآخر، أنكر وجوده، حتى استقرّ في أعماقه تكذيبٌ بميزان العدالة الإلهية. التدبر: الانحراف الأخلاقي قاد إلى انحراف عقدي: إنكار يوم الدين. فكانت العقوبة من جنس الفعل: كما حجبوا العدل عن الناس، حُجبوا عن وجه الله. الرسالة: من حجب العدالة في الأرض، حُجب عن الجمال في السماء.

5-  الآيات (18–28): الأبرار – التدرّج الصاعد في الارتقاء،﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ... يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾، المعنى: “عليّون” موضع الرفعة والنقاء، وهو سجل الأبرار الذين طابت قلوبهم وعدلت موازينهم. التدبر: مقابل “سجين” جاء “عليّون”: عدالة التوازن الكوني."رحيق مختوم" كناية عن جزاءٍ نقيّ لمن كانت معاملته نقية. الرسالة:كما يتدرّج الفساد نزولًا، يتدرّج الإحسان صعودًا، وميزان الله لا يخطئ الاتجاه.

6-  الآيات (29–36): انقلاب المشهد – عدالة الختام،﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ... فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾، المعنى: المجرمون الذين سخروا من المؤمنين في الدنيا، صاروا اليوم مادة سخرية في الآخرة. الميزان الإلهي يعيد الضحك لمن بكى. التدبر: السورة تبدأ بالويل وتنتهي بالضحك، لتعلّم أن الزمن جزء من العدالة. من يصبر على الظلم لحظة، سيضحك من الظالم دهراً. الرسالة: العدالة قد تتأخر زمنيًا، لكنها لا تسقط وجوديًا.

 ثالثًا: القراءة التليسكوبيّة للسورة وفق قانون التدرّج في الانحراف

المرحلة            النص القرآني  طبيعة الانحراف الوصف التحليلي المقابل في قانون عبد السلام

1- بذرة الانحراف ﴿يُخْسِرُونَ﴾    سلوكي      نقص يسير في المكيال الانزلاق الطفولي في القيم

2- التبرير   ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ﴾    معرفي   غفلة عن المآل وتبرير الفعل العقلنة التبريرية

3- التكذيب ﴿يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾    عقدي    إنكار المنظومة الأخلاقية      التبلّد الوجداني

4-  الحجاب ﴿لَمَحْجُوبُونَ﴾   وجودي انفصال عن النور الإلهي     الانهيار الوجودي

     وهكذا تعمل آلية التدرّج في الانحراف تلسكوبيًا: من نقصٍ يسير الى غفلة الى تكذيب الى حجاب. في المقابل، تعمل آلية التدرّج في الارتقاء: من صدقٍ يسير الى صفاء الى يقين الى رؤية.

 رابعًا: الرسالة الكلية للسورة

    العدالة في القرآن ليست قانونًا مدنيًا فقط، بل قانونًا كونيًا ووجدانيًا. فكل تطفيف في الميزان، ولو خفيًّا، هو اختلال في هندسة العدل الإلهي. وسورة المطففين تُحذّر الإنسان من الانزلاق التلسكوبي نحو الانحراف، وتدعوه إلى إعادة ميزان نفسه قبل أن يُوزن بميزان ربه.

 خامسًا: الخلاصة الفكرية

    الانحراف الأخلاقي يبدأ من التطفيف البسيط.الغفلة عن الحساب تبرر الخطأ وتحوّله إلى نمط حياة. منهج التفكير التليسكوبي يبيّن تسلسل الانهيار من السلوك إلى الوجدان. سورة المطففين ترسم الخريطة الكاملة لانحدار الإنسان أو صعوده. الميزان في الأرض هو مرآة الميزان في السماء.

   “ويل للمطففين” ليست وعيدًا لتاجرٍ بخس المكيال، بل إنذارٌ لكل إنسانٍ يطفّف في صدقه، أو عدله، أو إحسانه. فكما أن الانحراف يبدأ من خللٍ في الميزان، يبدأ الإصلاح من عدالةٍ في الذرّة. ومن وزن نفسه بميزان الله، لم يُطفِّف قطّ.

و الله الموفق


خُلُقُ الأَنَاةِ: فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَحِكْمَةُ التَّأَنِّي فِي زَمَنِ العَجَلَةِ

خُلُقُ الأَنَاةِ: رِحْلَةُ العَقْلِ فِي نَيْلِ الحِكْمَةِ وَسَكِينَةِ الرُّوحِ مقدمة: حقيقة الأناة وغايتها الإنسانية    يعيش الإنسان المعاصر...