حكم محكمة النقض في جريمة ازدراء الأديان عبر وسائل التواصل الاجتماعي
دراسة تحليلية بمنهج متدرج
القضايا الجنائية المرتبطة بازدراء الأديان عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبدو في ظاهرها نزاعًا فرديًا محدودًا، لكنها في حقيقتها تكشف طبقات أعمق تمتد من حدود الفعل المجرَّم إلى مساحات أوسع تشمل النصوص القانونية، ثم الفلسفة القضائية، وصولًا إلى البعد التشريعي والمجتمعي.
ومن هذا المنظور، فإن الحكم الصادر عن محكمة النقض في الطعن رقم 14149 لسنة 92 ق جنائي لا يُقرأ بوصفه مجرد إدانة لشخص نشر عبارات مسيئة عبر الإنترنت، بل بوصفه نقطة انطلاق لرحلة تحليلية متدرجة: تبدأ من تفاصيل الواقعة، ثم تتسع إلى الأحكام القانونية المطبقة، وتتجاوزها إلى المبادئ الدستورية والحقوقية، قبل أن تنفتح على التوصيات التشريعية والانعكاسات الاجتماعية.
بهذا النهج يتضح أن الحكم ليس معزولًا عن محيطه، بل هو حلقة في مسار مستمر يؤكد أن الحرية مسؤولية، وأن التعبير عن الرأي لا يمكن أن ينفصل عن مقتضيات حماية السلم العام والوحدة الوطنية.
ملخص الوقائع
المتهم أنشأ حسابًا على موقع للتواصل الاجتماعي استخدمه لنشر عبارات اعتبرتها النيابة العامة مسيئة للإسلام والمسيحية، متضمنة مساسًا بمقام النبوة، الأمر الذي رأت فيه جريمة ازدراء أديان وإضرارًا بالوحدة الوطنية. محكمة أول درجة قضت بحبسه خمس سنوات مع الشغل والنفاذ وتغريمه، ثم أيّدت المحكمة الاستئنافية الحكم. وعند الطعن بالنقض، دفع الدفاع بعيوب في التسبيب والتحريات والإجراءات، وبانتهاك حرية الاعتقاد، غير أن محكمة النقض رفضت الطعن موضوعًا بعد أن رأت أن الحكم الابتدائي والاستئنافي قد استوفيا العناصر القانونية للجرائم، مع تصحيح العقوبة بإلغاء الغرامة.
التحليل القانوني
الحكم يُظهر منهجًا متدرجًا في معالجة القضية: التوازن بين الحرية والمسؤولية: الدستور يكفل حرية الاعتقاد، لكن لا يبيح امتهان الأديان أو السخرية من رموزها. جدية التحريات: أكدت المحكمة أن الخطأ في بعض تفاصيل التحريات (مثل المهنة) لا يبطلها طالما أدت إلى كشف الحقيقة. سلطة محكمة الموضوع: النقض شددت على أن تقدير القصد الجنائي وقوة الدليل من مسائل موضوعية لا رقابة لها عليها. تفسير المادة 98 (و) عقوبات: الركن المادي يتمثل في الترويج لفكر متطرف، والمعنوي في نية إثارة الفتنة أو الازدراء، ويُستدل على النية من الوقائع. مفهوم وحدة الجرائم: المحكمة اعتبرت الأفعال المتعددة جريمة واحدة وطبّقت المادة 32 عقوبات.
النظام الإجرائي للدفع بعدم الدستورية: الدفع يجب إبداؤه أمام محكمة الموضوع لا لأول مرة أمام النقض.الوصف القانوني: تغيير الوصف القانوني لا يعيب الحكم إذا لم تتغير الواقعة المادية محل المحاكمة.
التأصيل القانوني بالنصوص
قانون العقوبات:
المادة 98 (و): تجريم استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو ازدراء الأديان.
المادة 161/1: حماية الشعائر الدينية من التعرض أو السخرية.
المادة 171/5: تجريم نشر ما من شأنه تكدير السلم العام.
المادة 32: معاقبة الجريمة الأشد عند تعدد الأفعال المرتبطة.
قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018
المادة 1: نطاق تطبيق القانون على الأفعال المرتكبة عبر الإنترنت.
المادة 12: تجريم إنشاء أو إدارة حساب بغرض ارتكاب جريمة.
المادة 25: تجريم الاعتداء على القيم الأسرية عبر الإنترنت.
المادة 27: تجريم استخدام المواقع في ارتكاب الجرائم.
قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979
المادة 25: اختصاص المحكمة الدستورية وحدها بنظر الطعون الدستورية.
المادة 29: وجوب إبداء الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة الموضوع أولًا.
قانون الإجراءات الجنائية
المادة 277: للمحكمة سلطة تقدير من ترى لزوم سماع شهادته من الشهود.
التوصيات العملية
للمحامين: وجوب إثارة الدفوع الجوهرية أمام محكمة الموضوع في حينها، وصياغة أسباب الطعن بدقة ووضوح.
للنيابة العامة: إحكام صياغة قرارات الإحالة وتوثيق التحريات الفنية والتقنية.
للقضاة: تدعيم الأحكام بتسبيب كافٍ يوضح توافر أركان الجرائم.
للمشرّع: إعادة صياغة المادة 98 (و) لتحديد أوضح للفصل بين حرية التعبير والازدراء، وتحديث التشريعات لمواكبة الجرائم الإلكترونية.
للمجتمع: تعزيز التوعية بالاستخدام المسؤول لوسائل التواصل، ودعم خطاب ديني وفكري وسطي.
إن هذا الحكم لم يتوقف عند واقعة فردية لمتهم أنشأ حسابًا على موقع للتواصل الاجتماعي وبثّ من خلاله عبارات مسيئة، بل شكّل مدخلًا لإبراز منهج قضائي متكامل يوازن بين الحرية والمسؤولية. فمن الواقعة المحدودة انتقلنا إلى النصوص القانونية التي ضبطت السلوك، ثم إلى الفلسفة القضائية التي تفسّر النصوص وتطبّقها، وصولًا إلى الأبعاد التشريعية والفكرية والاجتماعية التي تعكس أثر الحكم على المجتمع كله.
وبذلك نرى أن القضية ليست مجرد إدانة لشخص، وإنما هي تأكيد على أن النظام القانوني المصري قادر على استيعاب التحديات الرقمية الجديدة، وضبط الحدود بين الحق في التعبير وحماية القيم الدينية والوحدة الوطنية. فالحرية هنا لا تُقرأ في فراغ، بل في سياق أوسع يربط بين الفرد والنص والمجتمع والدولة، ليكشف أن العدالة ليست لحظة عابرة، بل مسار متدرج تتسع دائرته ليشمل الجميع.
---------------------------
طعن رقم 14149 لسنة 92 ق نقض جنائي
باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
دائرة الأحد (ب)
المؤلفة برئاسة السيد القاضي / محمد عبد العال نائب رئيس المحكمة
وعضوية السادة القضاة / صلاح محمد أحمد و توفيق سليم
أحمد عبد السلام نواب رئيس المحكمة
عبد الرحمن بجاتو
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / مصطفى الوكيل.
وأمين السر السيد / نجيب لبيب محمد.
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الأحد 15 من شعبان سنة 1445 هـ الموافق 25 من فبراير سنة 2024 م.
أصدرت الحكم الآتي:
في الطعن المقيد بجدول المحكمة برقم 14149 لسنة 92 القضائية
اتهمت النيابة العامة الطاعن في قضية الجنحة الاقتصادية رقم ….. لسنة ….. جنح اقتصادية …. بأنه في يوم 12/11/2020 بدائرة مركز … – محافظة ….
1- ازدرى أديان سماوية (الدين الإسلامي والمسيحي) ذلك بان روج بالكتابة عبر حسابه الخاص المسمى (…..) على موقع التواصل الاجتماعي (….) عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) بعبارات نالت من مقام النبوة الشريف ومقام رسول الله عيسى عليه السلام بما كان من شأنه إثارة الفتن وازدراء تلك الأديان والإضرار بالوحدة الوطنية على النحو المبين بالأوراق.
2- تعدى على الدين الإسلامي والتي تؤدى شعائره علنا وذلك بتدوين عبارات عبر حسابه الخاص المار بيانه نالت من مقام النبوة الشريف.
3 – اعتدى على مبادئ وقيم المجتمع المصري بأن نشر عن طريق شبكة المعلومات الدولية محتوى مسيء محل الاتهام الأول على النحو المبين بالتحقيقات.
4- استخدم حسابا خاصا على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) المنشأ عبر شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) بهدف ارتكابه للجرائم المار بيانها على النحو المبين بالتحقيقات.
ومحكمة جنح …. الاقتصادية، قضت حضوريا بتاريخ 31 من ديسمبر سنة 2020، عملا بالمواد 98/ و، 161/1، 171/5 من قانون العقوبات والمواد 1، 12، 25، 27 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية – بعد تعديل وصف التهمة بإضافة تهمة بث دعايات مثيرة من شأنها تكدير الأمن العام والحاق الضرر بالمصلحة العامة، وإعمال المادة 32 من قانون العقوبات. بمعاقبته بالحبس خمس سنوات مع الشغل والنفاذ، وبتغريمه مبلغ ألف جنيه.
فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم.
ومحكمة …. الاقتصادية – بهيئة استئنافية – قضت حضوريا بتاريخ 7 من مارس سنة 2021، بقبول الاستئناف شكلا، وفي الموضوع برفضه، وتأييد الحكم المستأنف.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض بتاريخ 18 من إبريل سنة 2021.
وأودعت مذكرة بأسباب الطعن بالنقض بتاريخ 4 من مايو سنة 2021 عن المحكوم عليه موقعا عليها من الأستاذ/ ……… المحامي.
وبجلسة المحاكمة سمعت المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر وبعد سماع المرافعة والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قد استوفى الشكل المقرر في القانون.
حيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم استغلال الدين في الترويج بالكتابة لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وازدراء الأديان السماوية والإضرار بالوحدة الوطنية،
وإنشاء وإدارة صفحة وحساب خاص على مواقع التواصل الاجتماعي (……) واستخدامه في ارتكاب جرائم الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري والتعدي علي الأديان السماوية التي تؤدي شعائرها علنا وإذاعة بيانات كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة ، قد شابه القصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، والإخلال بحق الدفاع، ذلك بأنه أكتفي بالإحالة إلي حكم أول درجة رغم خلوه من الأسباب ومن أركان الجرائم التي دانه بها ولم يستظهر العبارات والأفعال التي ارتكبها الطاعن ، ودانه بجريمتي التعدي علي مبادئ وقيم المجتمع المصري وإدارة حساب خاص بهدف استخدامه في ارتكاب ما أسند اليه من جرائم رغم مخالفتهما لأحكام الدستور لإهدار الحكم مبدأ حرية الاعتقاد ، ورد الحكم بما لا يصلح ردا علي دفعه ببطلان الإذن بالتفتيش لعدم جدية التحريات بدلالة خطأها في مهنة الطاعن ، وخلو الأوراق من شكاوي للموطنين خلافا لما ورد بها ، وعول علي تقرير الفحص الفني رغم الدفع بقصوره لعدم استخدام التقنيات الحديثة ، ولم تستجب محكمة أول درجة لطلبات الطاعن ، ولم تتح له فرصة لإبداء دفاعه ، ملتفتا عما أثاره من أوجه دفاع جوهرية ، وعدلت وصف التهمة بإضافة تهمة إذاعة أخبار كاذبة دون تنيه الدفاع ، وأخيرا لم تستجب المحكمة الاستئنافية لطلب سماع مجري التحريات،كل ذلك مما يعيب الحكم بما يستوجب نقضه.
ومن حيث إن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمكمل بالحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دان الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محصتها التمحيص الكافي وألمت بها إلماما شاملا يفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة، ومتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيا في تفهم الواقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة – كما هو الحال في الدعوى الراهنة- فإن ذلك يكون محققا لحكم القانون وبه يبرأ الحكم مما رماه به الطاعن من القصور في التسبيب ومن ثم كان هذا المنعى غير سديد. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة الاستئنافية إذا ما رأت تأييد الحكم المستأنف للأسباب التي بني عليها فليس في القانون ما يلزمها أن تذكر تلك الأسباب في حكمها بل يكفي أن تحيل عليها، إذ الإحالة على الأسباب تقوم مقام إيرادها وتدل على أن المحكمة قد اعتبرتها كأنها صادرة منها، ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن في هذا الشأن يكون غير مقبول. لما كان ذلك، وكان الحكم قد حدد في بيان كاف العبارات والأفعال التي قارفها الطاعن بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجرائم التي دانه بها، إذ أثبت قيام الطاعن بإنشاء حساب علي موقع …. بوك باسم ” ………… ” ويقوم بإدارته ونشر منشورات تحتوي على أفكار إلحادية واسقاطات وسخرية من الأديان السماوية مما يشكل جريمة ازدراء الأديان وذلك من خلال استخدامه لأجهزة الحاسب الآلي وتأيد ذلك مما ثبت بتقرير فحص الصفحة الشخصية للطاعن وإقراره بارتكاب الواقعة وما توصلت إليه التحريات، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون غير سديد. لما كان ذلك ، وكانت جريمة استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة المنصوص عليها في المادة 98 (و) من قانون العقوبات تتطلب لتوافرها ركنا ماديا هو الترويج أو التحبيذ بأية وسيلة لأفكار متطرفة تحت ستار مموه أو مضلل من الدين وآخر معنويا بأن تتجه إرادة الجاني لا إلى مباشرة النشاط الإجرامي – وهو الترويج أو التحبيذ – فحسب، وإنما يجب أن تتوافر لديه أيضا إرادة تحقيق واقعة غير مشروعة وهي إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي ، وكان أمر توافر القصد الجنائي هو من المسائل التي لا تنظرها محكمة النقض بل تقدرها محكمة الموضوع على ضوء الوقائع والظروف المطروحة أمامها. ولا يشترط لذلك أن تذكر المحكمة صراحة بالحكم سوء نية المتهم بل يكفي أن يكون في عبارة الحكم ما يدل على ذلك. وحيث إن الحكم المطعون فيه أوضح ما يؤدي إلى توافر هذا الركن إذ أثبت أن الطاعن تناول الترويج لأفكار إلحادية تزدري الأديان السماوية والذات الألهية واستخدم ألفاظا مشينة نحو مقدسات الدين الاسلامي والمسيحي ومعتقداتهما فإذا ما عاقبته المحكمة على ما ارتكبه طبقا للمادة 98 (و) عقوبات تكون قد طبقت القانون تطبيقا سليما ، ويكون الحكم بإثباته ما صدر من الطاعن من العبارات البذيئة والأفعال والقضاء في موضوع الدعوى بإدانته الرد الكافي من عدم توافر القصد الجنائي لدى الطاعن .لما كان ذلك ، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه اعتبر الجرائم المسندة إلى الطاعن جريمة واحدة وعاقبه بالعقوبة المقررة لأشدها، فإنه لا مصلحة له فيما يثيره بشأن جريمتي التعدي على مبادئ وقيم المجتمع المصري ، وإدارة حساب خاص بهدف استخدامه في ارتكاب ما أسند إليه من جرائم ، ما دامت المحكمة قد دانته بجريمة استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامي والمسيحي والإضرار بالوحدة الوطنية وأوقعت عليه عقوبتها عملا بالمادة 32 من قانون العقوبات بوصفها الجريمة الأشد. لما كان ذلك، وكانت المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون 48 لسنة 1979 قد اختصت تلك المحكمة دون غيرها بالفصل في دستورية القوانين واللوائح وكان النص في المادة 29 من هذا القانون على أن: (تتولى المحكمة الرقابة القضائية على دستورية القوانين على الوجه التالي(أ).. (ب) إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن آثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد أعتبر الدفع كأن لم يكن) ومفاد ذلك أن الدفع بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة غير متعلق بالنظام العام ومن ثم فلا يجوز لصاحب الشأن إثارته أمام محكمة النقض ما لم يكن قد أبداه أمام محكمة الموضوع وكان البين من محاضر جلسات المحاكمة أن الطاعن أو المدافع عنه لم يدفع أيهما بعدم دستورية المادة 98/و من قانون العقوبات فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون غير مقبول.هذا فضلا عن أنه وإن كانت حرية الاعتقاد مكفولة بمقتضى الدستور، إلا أن هذا لا يبيح لمن يجادل في أصول دين من الأديان أن يمتهن حرمته أو يحط من قدره أو يزدريه عن عمد منه، فإذا ما تبين أنه كان يبتغي بالجدل الذي أثاره المساس بحرمه الدين والسخرية منه، فليس له أن يحتمي من ذلك بحرية الاعتقاد. لما كان ذلك، وكان تقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الأمر بالتفتيش هو من المسائل الموضوعية التي يوكل الأمر فيها إلى سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع، ومتى كانت المحكمة قد اقتنعت بتوافر مسوغات إصدار هذا الأمر فلا يجوز المجادلة في ذلك أمام محكمة النقض، وكان مجرد الخطأ في بيان مهنة المتهم أو في محضر التحريات لا يقدح بذاته في جدية التحري، فإن النعي على الحكم في هذا الشأن لا يكون له محل. لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعن في شأن خلو الأوراق من شكاوي للمواطنين خلافا لما ورد بالتحريات مردودا بما هو مقرر من أنه لا عبرة بكيفية تشكي المواطنين من الواقعة وإنما العبرة بما اطمأنت إليه المحكمة مما استخلصته من التحقيقات، فإن النعي على الحكم في هذا الخصوص ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير المحكمة لأدلة الدعوى ومصادرتها في عقيدتها مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان مرجع الأمر في تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتلك التقارير والأخذ بما ترتاح إليه منها لتعلق هذا الأمر بسلطتها في تقدير الدليل وأنها لا تلتزم بالرد على الطعون الموجهة إلى تقارير الخبراء ما دامت قد أخذت بما جاء بها لأن مؤدى ذلك أنها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق التفاتها إليه ومن ثم فإن ما يعيبه الطاعن على الحكم من عدم رده على المطاعن الموجهة إلى التقرير الذي عول عليه في قضائه لا يكون له محل.لما كان ذلك ، وكان الطاعن لا يدعي أن المحكمة منعت محاميه من الاستطراد في دفاعه فلا محل للنعي عليها إن هو أمسك عن ذلك ، لما هو مقرر من أن سكوت الطاعن أو المدافع عنه لا يصح أن يبنى عليه طعن ما دامت المحكمة لم تمنعه من مباشرة حقه في الدفاع. ومن ثم فإن النعي على الحكم في هذا الصدد يكون في غير محله. لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه يجب لقبول وجه الطعن أن يكون واضحا محددا، وكان الطاعن لم يكشف في أسباب طعنه عن أوجه الدفاع الجوهرية التي ينعي على الحكم عدم الرد عليها حتى يتضح مدى أهميتها في الدعوى وهل تحوي دفاعا جوهريا مما يتعين على المحكمة أن تعرض له وترد عليه أم أنه من قبيل الدفاع الموضوعي الذي يكفي القضاء بالإدانة أخذا بأدلة الثبوت التي اطمأنت إليها المحكمة ردا عليها بل ساق قوله في هذا الصدد مرسلا مجهلا، فإن هذا الوجه من الطعن لا يكون مقبولا. لما كان ذلك وكان الأصل أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم, بل هي مكلفة بتمحيص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وأن تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا دون حاجة إلى لفت نظر الدفاع إلى ذلك ما دام أن الواقعة المادية التي اتخذتها المحكمة أساسا للتغيير الذي أدخلته على الوصف القانوني المعطى لها من النيابة هي بذاتها الواقعة المبينة بأمر الإحالة والتي كانت مطروحة بالجلسة ودارت عليها المرافعة دون أن تضيف إليها شيئا وكان من المقرر أيضا أن تعديل محكمة أول درجة لوصف التهمة بإسناد واقعة جديدة إلى المتهم تكون مع الواقعة المنسوبة إليه – حتى ولو لم تلفت نظر الدفاع عن التهمة- لا يترتب عليه بطلان الحكم الصادر من المحكمة الاستئنافية ما دام أن المتهم حين استأنف الحكم كان على علم بهذا التعديل بما يتيح له إبداء دفاعه على أساسه – كما هو الحال في الدعوى – فإن نعي الطاعن على الحكم في هذا الشأن بالبطلان يكون لا محل له. هذا فضلا عن أنه لا جدوي من النعي علي الحكم في هذا الشأن ما دامت المحكمة قد أعملت في حق الطاعن المادة 32/2 من قانون العقوبات وعاقبته بالعقوبة المقررة لجريمة إزدراء الاديان بوصفها الجريمة ذات الوصف الاشد. لما كان ذلك، وكان البين من مطالعة مدونات الحكم المطعون فيه في مقام اطراح المحكمة لطلب الطاعن في مناقشة مجري التحريات ، أنها قد استعملت حقها المقرر في نص المادة 277 من قانون الإجراءات الجنائية والمعدلة في نص المادة الأولى من القانون رقم 11 لسنة 2017 والمعمول به اعتبارا من الأول من مايو من نفس السنة وفق ما جاء بالمادة التاسعة منه – والذي جرت إجراءات المحاكمة في ظل سريان أحكامه – والذي يخول للمحكمة تقدير من لا ترى لزوم لسماع شهادته، وقد انتهت بأسباب سائغة إلى رفض طلب الدفاع في هذا الصدد وذلك بما يتفق وحقها المقرر في القانون، فإن ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من دعوى الإخلال بحق الدفاع يكون غير سديد. لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعا.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بإلغاء ما قضى به من عقوبة الغرامة ورفض الطعن ف